الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، أبو القاسم الشابي بعد خمسين سنة

Share

ابتداء من 9 أكتوبر 1984 تحتفل تونس بمضي خمسين سنة على وفاة أبي القاسم الشابى صاحب ديوان (( أغاني الحياة )) ومؤلف كتاب (( الخيال الشعري عند العرب )) والشاعر التونسى الذى طبقت شهرته الآفاق العربية واحتضنته الأمة العربية كصورة مشرقة للشعر العربى الحديث والعصرى معنى ومبنى .

وإن ما قيل وكتب عن أبى القاسم الشابى فى هذه الفترة الطويلة كثير وكثير والآراء التى صدع بها أصحابها لتقويم آثاره ، متباينه على حسب المنطلقات المزاجية أو الايديلوجية أو العلمية الصحيحة . وعلى كل فان مكانة أبى القاسم الشبابى فى الجماهير العربية كبيرة ومرموقة لم تنقص الخمسون سنة عن وهجها وتألقها بل زادها شيوع التعليم وإقبال الأجيال الصاعدة ثقلا ووزنا لا ينال منهما النقد مهما كان شديدا وعنيفا .

واذاكان  شيوع شعر الشابى بهذا الاتساع لدى الجماهير العربية المثقفة فان الدراسات العلمية فى حجمها ومحتواها رغم كثرتها لم تستوف كل جوانب عبقرية شاعرنا ولم تنفذ الى سر شهرته وذيوع انتاجه بل إن الكثير من هذه البحوث لأسباب عديدة - منها عجزها عن استكناه الصورة الحقيقية لشاعريته - وقفت موقف الشك والتردد والحيرة فى بعض الأحيان .

ولعل النبوة العلمية التى ستلتئم بمناسبة الاحتفال بالخمسينية ستساهم مساهمة جدية فى استجلاء كل الغوامض وإحلال أبى القاسم الشابى المحل الملائم فى تاريخ الشعر العربى المعاصر والتعريف بصورة مدققة بالظروف التى حفت بانتاجه وهى هامة وضرورية لفهم شعره وكذلك التدقيق فى القضايا المستقطبة من قبل شاعرنا والمكيفة على حسب مزاجه وذهنيته وطاقة استيعابه وأخيرا النفاذ الى سر خلوده بهذه اللغة الشعرية السحرية السهلة الى درجة الاثارة والتحدي .

إن الظروف التى عايشها أبو القاسم اثناء حياته القصيرة كانت قبل الاستقلال ازخر فترة فى تاريخ تونس سياسيا ونقابيا وأدبيا وفكريا.. وفيها ظهرت للعيان ملامح تونس المعاصرة الجديدة فى ظهور الحبيب بورفيبة والحزب الجديد على مسرح السياسية والانطلاق بالشعب التونسى فى المسار الصحيح المفضي الى الخلاص من ربقة الاستعمار وازدواجية السيادة ( * ) . وكذلك فى ظهور الحركة النقابية الوطنية على يد محمد علي الحامي وتأثر الشابى العميق لما حل بهذا الزعيم وتعاطفه مع الطاهر الحداد المؤرخ لهذه الحركة والاديب المجدد ومناصرته له فى معركته حول المرأة . وأخيرا فى بروز النزعة التجديدية فى الادب والفكر وكان أبو القاسم المجلى فيها والحامل للواء التحديث فى أعمق معانيه فى تونس رابطا العلاقة فى ذلك بأدباء مصر خاصة .

وليس من الغريب من شاعرنا وهو الحساس الملتصق بشعبه أشد الالتصاق والنافذ الى هذه التيارات الثلاثة السياسية والاجتماعية والفكرية أن يخص وطنه لا فى المعنى القديم المتمثل فى جهته ومسقط رأسه كما درج على ذلك الشعراء القدامى وحتى المعاصرين له بل كان في الواقع يتفاعل مع المفهوم الجديد للشعب وهو كما قال شقيقه فى مقدمة الديوان : (( لم ينشأ ابو القاسم فى مسقط رأسه فقد خرج منه فى سنته الاولى ولم يكد يعرفه الا قليلا اثناء قدمتين أقام فيهما نحوا من ثلاثة أشهر... وقد استغرقت جولة الأسرة عشرين سنة ضربت فى بحرها فى البلاد التونسية طولا وعرضا متنقلة من

فابس الى سليانة فتالة ومن مجاز الباب الى رأس الجبل فزغوان وبين هذه المدن من الأميال ما يقدر بالمئات أحيانا وعلى نسبة ذلك اختلاف العادات واللهجات والمشاهد الطبيعية . فلم تكن واحة فابس كبسائط مجاز الباب يغمرها الحصيد ، ولا هذه كبساتين رأس الجبل أو كجبل زغوان يكسوه شجر الصنوبر ولم يكن حر فابس كثلوج تالة ولا حياة الفلاحين بمجاز الباب كحياة صيادي البحر بفابس أو رأس الجبل ولا طباع أهل الشمال كطباع أهل الجنوب )) .

نعم عايش أبو القاسم شعبه فى تلك الفترة العصيبة وتألم لما يقاسيه من ظلم وبؤس :

(( البؤس لابن الشعب يأكل قلبه    والمجد والاثراء للأغراب

والشعب معصوب الجفون مقسم    كالشاة بين الذئب والقصاب

والحق مقطوع اللسان مكبل       والظلم يمرح مذهب الجلباب

هذا قليل من حياة مرة             فى دولة الأنصاب والألقاب ))

ولكنه رغم ذلك يقول شاعرنا منذ جوان 1925 :

(( إن ذا عصر ظلمة غير اني      من وراء الظلام شمت صباحه

ضيع الشعب مجد شعبي ولكن    سترد الحياة يوما وشاحه ))

ورغم ما كان ينتابه من يأس عندما ينعقد المؤتمر الافخرستى فى تونس سنة 1930 ويحتفل بمرور خمسين سنة لانتصاب الحماية فانه كان يتقد ثورة وتفاؤلا عندما يشاهد ظهور الحركة السياسية الجديدة الفتية فيصيح فى وجه المستعمر قائلا :

(( يا أيها الجبار لا تزدري    فالحق جبار طويل الأناه

يخفي وفى أجفانه يقظة      ترنو الى الفجر الذى لا تراه ))

أو يحذره منذرا فى 8 أفريل 1934 :

(( سيجرفك السيل سيل الدما    ويأكلك العاصف المشتعل ))

هذه اذن السمة الغالبة على شعره وهو الذى بحساسيته لم يكن ليتنصل منها وهو الشاعر المؤمن بالقيم الادبية الجديدة والمحتضن لقضايا عصره والاتجاهات الفكرية الغربية التى عرفها عن طريق الترجمة ومعاشرة أصدقائه من أمثال محمد الحليوي والبشروش وغيرهما . فالشابى شاعر لا محالة قبل

ان يكون سياسيا وإن التحم بشعبه كمواطن التحاما وثيقا فهو بهذه الصورة ورغم ذلك لم يسلم من الحديث عن ذاته والاغراق فى الفردية لأنه كفكتور هيفو الذى قال : إنى عندما أتحدث اليكم عن نفسى فاننى فى الواقع أعنيكم )) . وهو مثل الشعراء وخاصة الرومنسيين أطلق العنان الى العاطفة فتغنى بعاطفة الطبيعة وبالحزن والأسى وبالروح الدينية وأحس بالحاجة الى الانعتاق والهروب من الواقع إمعانا فى الشعور بالغربة فجال فى عوالم غريبة عندما أخذها من الآداب الاجنبية وحلق فى أجواء الخيال والاسطورة وكرع أيضا فى المنابع القومية . وهو الى ذلك لم ينج مثل الشعراء الرومنسيين من المرأة القاهرة المغرية ولم ينس الاشادة بالبطولة وبالثورة والاصلاح وبرسالته التى تصل الى حد النبوة .

كل هذا لم يكن ليجعل من أبى القاسم الشاعر الذى يبقى بعد خمسين سنة يذكر ويشاد به لان عصره كان زاخرا بالشعراء الذين تفاعلوا مع شعبهم مثل الذى تفاعل وعرفوا الآداب الاجنبية وأحسوا بالحاجة الى التجديد . إن أهم ما فى الشابى - وهو الذى لم يدرس ولم يدقق ولم يحدد التحديد العلمى - هو لغته الشعرية القادرة على احتواء كل هذه المعانى فى سهولة وبساطة مذهلة .

وإن دراسة لغته الشعرية من حيث رصيدها اللغوى وتراكيبها ونبراتها كفيل بالكشف عن سر خلود هذا الشعر ولكن هناك دراسة لعلها هى الوحيدة التى تكشف عن قوة هذا الانتاج الشعرى وهى دراسة الايقاع من حيث هو جماع العدة الشعرية والاداة النغمية المكينة .

فهل يكتب للشابى أن يدرس هذا الجانب من شاعريته دراسة علمية عصرية جادة حسب أحدث الطرق ؟

اشترك في نشرتنا البريدية