الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، البشير خريف المبدع

Share

كانت وفاة البشير خريف بالنسبة الى أصدقائه ومحبي أدبه مباغتة أليمة إذ كنا جميعا نترقب منه نفحات أخرى من قصصه التى عمرت الادب التونسى وأكسبت فن القصة فيه رونقا بهيا ونكهة جديدة قريبة من واقع الناس ولكنها طافحة بروعة الابداع وبساطة الفن الاصيل .

ولم يكن ابداع البشير خريف ثمرة من ثمرات الادب التقليدى المتعارف الذى كانت تحتضنه الجرائد والمجلات وتؤوي صاحبه النوادى والمنتديت بل كان إفرازة طبيعية لمجتمع تفاعل مع عدة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وكان ظهوره فى الوقت المناسب بعد الاستقلال عندما اخذ الشعب التونسى بناصية أمره وأمكن له أن يحقق كمال شخصيته ويزيل كل العوائق النفسية والموضوعية المضروبة حوله .

ومن الطبيعى بالنسبة الى رجل مثل البشير خريف ألا ينشر قبل الاستقلال غير قصتين فقط على ما أذكر وأن يكون مثل العشرات من الكتاب التونسيين الذين يجربون حظهم في مجال الادب ويكتب لهم ألا ينشروا الا قليلا وألا يعرفوا الا من حين لآخر فى مناسبات تعد على الاصابع .

ومن الطبيعى أيضا أن لا يجد البشير خريف فى فترة الاستعمار من لا يشجعه على كتابة أدبه بهذه الصورة المتكاملة وفى ذلك النسق اللغوى وعلى تلك الملامح الواقعية اللصيقة بالحياة التونسية فى دقائقها ماضيا وحاضرا . إذ المطلوب من كل أديب آنذاك أن يحلق فى سماء اللغة الفصحى شعرا أو نثرا

وأن يبقى متمسكا بالانساق اللغوية المعروفة أو هو اذا أراد أن ينفذ بانتاجه الى صميم الشعب فما عليه الا أن يكتب بالعامية شعرا أو أن يلتفت الى الاذاعة يخاطب عن طريقها كل الطبقات بلغة الجماهير .

وهكذا فعل الدوعاجى وغير الدوعاجى من التونسيين وكان لهم انتاج طيب ومرموق ولكن البشير خريف لم يفعل ذلك وكان فى امكانه أن يسلك ذلك المسلك غير أن الروح الابداعية التى فطر عليها أبت عليه ذلك وانتظر عشرين سنة ليعاود الكرة ويجرب حظه مرة أخرى ويخرج للناس تلك اللغة القريبة من اللغة العامية التونسية وذلك النمط من القصة التونسية لحما ودما .

واذا كان للتحليل الموضوعي انطلاقا من تعبير البشير خريف وجهه المشروع والسبيل الاوفق لتحديد جملة هذا المبدع كنمط جديد تطعمت بواسطته الفصحى بايقاع العامية ونفسها والفاظها فان للظرف التاريخى ما يؤكد ويؤيد ذلك ويدعمه .

وأذكر أنه فى أواخر أكتوبر 1958 بينما كانت أسرة " الفكر " - تنظر كشأنها عشية كل سبت - فيما يرد اليها من انتاج أدبى اذ دخل رجل حيي يلبس الجبة التونسية ويقدم نفسه باسم البشير خريف منتسبا الى الشاعر التونسى المعروف مصطفى خريف . فيرحب به الاستاذ محمد مزالى ويدعوه الى الجلوس ثم يستفسره فيشير فقيد القصة التونسية الى ملف ويقول : إنه يحتوى على قصة كتبها منذ زمان ولم يتيسر له نشرها . فحثه الاستاذ محمد مزالى على البدء فى قراءتها ولكن بعض الحاضرين من أسرة " الفكر " شرعوا فى مضايقته مما دفع مدير المجلة الى استلامها ووعده بقراءتها وإعلامه بالنتيجة بعد أسبوع .

وكان يوم السبت اللاحق مجالا لنقاش طويل قرر إثره الاستاذ محمد مزالى نشر القصة وسلمنى المخطوط وكنت فى شوق الى قراءته وما أن عدت الى المنزل حتى التهمت القصة فى ليلتها التهاما واعتبرت أن ذلك منعرجا فى تاريخ الادب التونسى .

وفى عدد ديسمبر من سنة 1958 ظهر الجزء الاول من قصة " حبك دربانى " او إفلاس وقدم لها مدير المجلة بهذه الكلمات المعبرة : " لا شك أن هذه القصة تثير مشاكل وتعالج عقدا فى أدبنا التونسى وتخطط نفسيات عارية من الزخرف والتكلف الا انها لا تروم التقويم من حيث هى - ولا تسعى الى التنويه بحميد الاخلاق أو تالد المجد ، هى ثورة على التحفظ والتزمت والمألوف ... فيها انتهاج سبل جديدة وجرأة وحياة نأمل أن تمهد لأدب تونسى صميم . ونحن فى أسرة " الفكر " رأينا أن نعرضها بما لها وما عليها تباعا ، من دون أن نجهل ما قد يثيره اسلوبها من نقد وما قد يبعثه حوارها العامى من قلق وضيق وما قد تبقيه واقعيتها العارية من أثر سئ فى بعض النفوس - ولكننا سعينا الى خدمة الادب ، والادب من الحياة النابضة أو لا يكون " .

ولا يظنن القارىء أن صاحب القصة لاقى الشهرة بل ان عددا قليلا من الكتاب فقط نقدها أذكر منهم المرحوم الدكتور محمد فريد غازى والاديب اللامع الصادق مازيغ والقصاصة ناجية ثامر . ولكن البشير خريف عرف الاستمرار فى الكتابة بحث من الاستاذ محمد مزالى أيضا الذي كان رئيسا للجنة الثقافة ببلدية تونس التى أحدثت جائزة علي البهوان للقصة فكان البشير خريف من أولئك الذين أخذوا مأخذ الجد هذا التشجيع معتمدا أن الفرصة مؤاتية وأن أدبه أصبح له من يرعاه ويقدره حق قدره وكانت قصة " برق الليل " .

واذا كان لفقيدنا حظ اتساع رقعة من يعرفه من القراء فانه لم ينل الشهرة الواسعة بنيله جائزة " على البلهوان " لعام 1960 أو بطبع قصته هذه " برق الليل " عن طريق الشركة القومية للنشر والتوزيع وهى أول دار دار وطنية للنشر بل إنه انتظر الى سنة 1965 أو 1966 ليعرف الشهرة الكبيرة . وأذكر انه عندما كنت رئيس ديوان الاستاذ محمد مزالى المدير العام للاذاعة والتلفزة آنذاك قدم الى المذيع محمد حفظى مسلسلا اذاعيا مقتبسا من قصة لجرجى زيدان فقلت له : لماذا جرجى زيدان ؟ ودخلت مكتب استاذ محمد مزالى وقلت له : إن عدد القصص التونسية كثر والمنتجون الاذاعيون التونسيون ما زالوا لا يقبلون على الانتاج فيها ، فأشار على بعرض قصة " برق الليل " على المذيع محمد حفظى الذى لم يقابل العرض الا بالضحك فى أول الامر ثم أعرته نسختى وكان اقباله عليها بكل حماس وكتب حوارا شيقا نال اعجاب المرحوم حمودة معالى بعد أن استنكف منها فى الاول .

وعرف البشر خريف حينذاك الشهرة الواسعة وعاشت جماهير تونس كبارا وصغارا أطوار هذه القصة وعرف أديبنا شبه تفرغ مكنه من الانتاج والاستمرار فى الإبداع وهو أمر لم يتوفر لأى أديب تونسى قبله ولولا هذه الظروف واستقلال البلاد لما كان للبشير خريف ذلك المجال للخلق والابداع .

ولكن فقيدنا لم يكن ذاك الرجل الذى وجد السعادة والهناء وأين للكاتب المبدع الاصيل أن يجدهما ؟ وهو المسكون بهاجس اخلق والابداع والمحتار فى أمر هذا العالم المتزاحم فى نفسه المدعو الى تجسيمه وابرازه الى الناس قطعة فنية خالصة .

لم يعرف البشير خريف الاطمئنان لسببين اثنين : أولها يتعلق بنمط الكتابة الذى اختاره ، والثانى بحقوق التأليف . فبالنسبة الى نمط الكتاب يظهر ان فقيدنا ابتعد عن كيمياء اللغة المكونة من الفصحى والعامية والتى هى خلاصة ابداعه والسر فى نجاحه ، وركن الى العامية فلم يجد بالطبع المجال الكبير للنشر وأغرق كذلك فى تصوير عيوب فى المجتمع متعلقة بالحياة الجنسية ليس فى الامكان نشرها فى بلد ما زال محافظا . ولهذا لم يتسن للجمهور فى هذه السنوات الاخيرة الاستمتاع بأدب خريف .

أما المسألة الثانية فهى صدمة أخرى لم يتحملها فقيدنا وهى أنه لم يتسن له أن يجني الثمار المادية المرجوة من هذه الشهرة فى بلد قراؤه محدودو العدد والحقوق الراجعة للمؤلف لا تعد شيئا يذكر اذا هو حصل عليها ، ويحق للبشر خريف أن يغضب وهو الذى ترجمت قصصه الى لغات عديدة واقتبس منها فى السنما ولم تسو بعض هذه الحقوق الا قبل وفاته بأيام .

ولم يتيسر للفقيد أن يفهم ان المجتمعات فى نموها لا يمكن لها أن تحل مشاكلها سرعة وأن المجتمع التونسى الذى كان يموت " فنان الغلبة " بغصته بدون أن يشعر به أحد وهو شبه مجهول قد قدر بعد الاستقلال أن يكرمه ويعرف به ويحتضنه ولكن المجتمع التونسى ما زال لاسباب عديدة ، لم يمكن الكاتب والاديب من أن يعيش بقلمه العيش الكريم . وهذه مرحلة أخرى يجب العمل على توفير الظروف لها وهى ليست بالبعيدة المنال .

اشترك في نشرتنا البريدية