قضية التجديد فى الادب قديمة قدم الكلمة والصراع بين القديم والجديد قيل فيه الكثير والكثير ونزل الى حلبة البراز في هذا الشأن الجهابذة من الكتاب والنقاد ولكن المسألة رغم اتصافها بالقدم لا تزال تتجدد وتأخذ لبوسا آخر وتتشكل حسب اشكال نوعية تؤخذ من حياة العصر وهي مقترنة أشد الاقتران بالجيل الشاب من الادباء والكتاب ولهذا فهى دائمة متجددة ويجب إثارتها من حين الى اخر حتى يكون التقييم الصحيح والتمحيص الجيد .
والسؤال المطروح هو : هل أن التجديد مقترن دائما بأدب الشباب ام ان الامر يقتضى النظر الى السؤال من وجهة أخرى اكثر عمقا واقرب الى الواقع وأشد مساسا بالحقيقة ؟ إذ ما معنى التجديد فى الادب أولا وآخرا حتى يمكن الوصول الى تحديد ما وإن كان غير مطلق ؟
إن التجديد فى الادب لا يعدو أن يكون متصلا بصنوى النص الادبي ألا وهما المضمون والشكل . فلا جديد في الادب إذا لم يكن فى محتوى النص الادبى اغراضا جديدة ومعانى طريفة وأفكارا مستجدة وخواطر لم تخطر على بال سواء كان ذلك قصة أو شعرا أو مسرحا أو نقدا . ولكن هذا النوع من التجديد عزيز المنال ينفرد به القلة من الكتاب والادباء ولا يكهن دائما مطردا فى كل الحالات وفي كل انواع الكتابات وكم شكا الشعراء والكتاب من أن
القدامى لم يتركوا شيئا للمجددين فقد قال عنترة : هل غادر الشعراء من متردم ؟ وبين الجاحظ - ما معناه - أن المعاني مطروحة على قارعة الطريق متداولة وليس على الكاتب إلا أن يصوغها على حسب قدرته وعبقريته .
ذلك أن جوهر الكتابة ينحصر فى اكثر الاحيان فى الشكل سواء كان ذلك فى القالب الذي أراد المبدع أو الخلاق ان يصب فيه انتاجه او اللغة التى رام صياغة اثره بواسطتها . فالقالب بالنسبة الى الشعر هو ان يكون عموديا أو حرا او خارجا عن التفعيلة وبالنسبة الى القصة أو المسرح أو النقد أن يتخذ صورة تجعله ينتمى الى مدرسة دون اخرى أما اللغة فهي اختيار الالفاظ والتعابير والتراكيب والايقاع الجملى بحيث تشكل نمطا متميزا وأسلوبا مغايرا .
هذا هو التجديد في الادب إذن وهو لا ينحصر فى جيل دون آخر بل يمكن ان يكون من صنع الشباب والكهول وحتى الشيوخ وتاريخ الادب العالمي زاخر بهذه الانماط . فما علاقة التجديد في الادب بأدب الشباب ؟
نحن نعتقد أن أدب الشباب جدير بأن نعتنى به لانه اقرب من غيره من الادب المعروف المتداول الى التجديد والابتكار والابداع ولهذا ترانا لا نهمل أى انتاج يرد الى مجلة " الفكر " بل نحن نمحصه ونغربله وفي اخر الامر نشجعه سواء بالنشر او بالنصيحة . وأصبحت مجلة "الفكر " بهذه الصورة تنشر بين طياتها أكبر قسط من ادب الشباب خلافا لما يدعيه البعض ولكننا نصنف ادب الشباب الى صنفين : صنف يتطور يوما بعد يوم ويشتد عوده ويكبر شاوه فنواصل احتضانه ونقبل عليه بالنشر المطرد وصنف يعتقد انه وصل الى قمة الادب فيصيبه الركود ويكرر نفسه ويعيش على رصيد ضعيف يأكله يوما بعد يوم فنتخلى عنه الى حين او نتركه وشأنه .
هذه هي الرسالة التى اضطلعت بها مجلة "الفكر " منذ ثمانى وعشرين سنة وهي لا تزال تواصلها رائدها فى ذلك حرية التعبير والتشبث بالمستوى الفني الجيد مع مرونة كبيرة وسعة صدر محمودة بالنسبة الى ادب الشباب
ولكن "المجلة " مع هذا يقظة تمام اليقظة وحريصة كل الحرص على الا تقع فى الآفات والهنات التى بها ينحرف الادب عن جوهره وينزل الى دركات سفساف الاغراض والتعابير .
ولهذا فاننا نرفض رفضا تاما كل اثر ينم على أن صاحبه غير متمكن بالقدر المناسب من اللغة العربية الفصحى وغير حريص على سلامتها ولا متمسك بعبقريتها ، والمؤسف ان صفحات الجرائد وبعض المنشورات ضمت انتاجا لا يراعي هذه الناحية ولا يقرأ لها حسابا .
كما أننا نرفض رفضا تاما كل تكتل ادبي اعتقادا منا ان الخلق لا يمكن أن يكون نابعا الا من الفرد وهو فى عزلته بينه وبين نفسه وان وجوده فى تكتل ما لا يغير فى شئ من ادبه اللهم الا اذا كان ضمن مدرسة أدبية بينة المعالم واضحة الاتجاه صلبة الدعائم قد وجدت أجوبة لكل القضايا التى تحيط بأية مدرسة أدبية مهما كانت . ولهذا فان أى تكتل ولو كان تكتلا بين ادباء شبان لا يعنى شيئا من الناحية الادبية الفنية وهو لا يعدو ان يكون الا تكتلا نقابيا أو سياسيا له طقوسه وتمشياته الخاصة به وله لغته ونسق تفكيره النوعى اللائط به .
ثم إننا لا نرى فائدة تذكر فى انتاج ادبي يكتنفه الغموض وليس معنى هذا أن الادب الغامض غير موجود وخاصة الادب الرمزي ولكن القارىء يظفر بعد إمعان النظر والتدقيق بضالته من الفهم أما إذا كان الانتاج صادرا عن شاب مايزال يتدرب على الكتابة ثم هو يتوخي الغموض ويحتاج الى افهام القارئ أو المستمع الى الشروح او الى الصراخ الى حد " الاسترخاء أو" الاستلقاء" أو الى ركيزة سمعية يوحى بها الى السامع بالايقاعات والنبرات التى لم يقدر على تضمينها انتاجه فان ذلك لا يمكن أن يعد انتاجا له قيمة ادبية تذكر بل هو ثمرة ما زالت فجة تحتاج الى النضج بعد تشذيب شجرتها وتغذية أرضها بالسماد وما اليه والاكثار من خدمتها حرثا وقلبا وتقليبا.
ومن آفات هذا النوع من الانتاج انه يكثر حوله من القيل والقال ومن الشروح والهوامش ومن البيانات والبلاغات والاستجوابات والمهاترات فى
المقاهى وأركان دور الثقافة ما يجعل حصيلة هذا كله ضخمة بالنسبة الى الانتاج نفسه .
أما الآفة الكبرى التى سادت في هذه السنوات الادب الناشئ هى الخلط بين الخطاب السياسي والخطاب الادبي والفني فكثيرا ما انقلب جزء من مسرحية ما الى خطاب سياسي باتم معنى الكلمة واصبحت قصيدة كاملة مجرد مقالة في صحيفة سيارة يكتبها صحفى ردىء وهي خالية خلوا كاملا من آية قيمة ادبية أو فنية ولا تنتمى الى اية مدرسة من مدارس الادب والفن المعروفة .
وعلى كل فان هذه الهنات التى ذكرت البعض منها والتي نجهد انفسنا من خلال هذه المجلة لننزه أدبنا منها ونخلصه من شوائبها تحتاج فى واقع الامر الى غربلة علمية من قبل نقاد قادرين مختصين لهم من الشجاعة والاقدام ما يجعلهم لا يخافون لومة لائم للاصداع بحكمهم البات . لهذا فانه لا يمكن فى واقع الامر الحديث عن تجديد فى الادب إلا إذا كان مصدره النقد العلمي الدقيق ولا يمكن إسداء خدمة جليلة لادب الشباب بالنشر فقط بل بتقييمه ايضا ورعايته بالنصيحة المستمرة المتواصلة .

