انها لفرصة ( * ) سعيدة تتاح لي للالتقاء بكم والتعبير لكم عن ارتياحى لنتائج أعمال مؤتمركم الذي كلل بالنجاح . وإن ما قدمته وزارة الشؤون الثقافية من مساعدات انما هو أدنى الواجبات واني لأشعر بالابتهاج يغمرنى خاصة لأهمية ما اتفقتم عليه في شان الخطة الثقافية العربية الشاملة التى رسمت ملامحها الاولية نخبة من أهل الذكر من بين المثقفين العرب .
غير أن الأهم من ذلك هو تطبيق ما جاء فى هذه الخطة والتزام كل المسؤولين وأجهزتهم فى الوطن العربي بادخال تلك التوصيات مرحلة التنفيذ لأني أعلم أن الثقافة في البلدان العربية ليست فى الغالب ضمن أول أولويات مشاغل المسؤولين واهتماماتهم
وفي تونس . توصلنا إلى ايجاد السبل العملية للنهوض بالثقافة وتنزيلها المنزلة التى هى بها جديرة . فقائدنا رجل ثقافة بدأ نضاله بالقلم والوزير الاول يمارس الثقافة منذ عقود . كذلك الشأن بالنسبة لرئيس مجلس النواب وبالطبع وزير الشؤون الثقافية نفسه . فليس من الغريب اذن أن
يكون فى تونس حظوظ وافرة ليضطلع رجال الفكر والثقافة بشتى المسؤوليات وأعظمها شأنا
وقد تجدني أجيب مداعبا بعض الصحفيين العرب الذين يسألونني أحيانا عن طريقة توفيقى بين السياسة والثقافة : هل من مميزات الساسة أن يكونوا جهلة " ؟ ! وهذا من شأنه أن يعود بنا الى تطارح مسألة العلاقة بين الثقافة والسلطة .
وأملى ان يكون وجودنا - نحن رجال الفكر - فى مراكز قيادية دافعا لخدمة الثقافة باعتبارها المنطلق الصحيح للتنمية الشاملة سيما وان تكاملنا الثقافي فى هذا الزمن الخاضع للتكتلات قد غدا ضروريا كخطوة حاسمة نحو التلاحم الشامل المنشود .
وها نحن نواصل الجهد قولا وكتابة وفعلا حتى نفتح أمام المبدعين مجالات العطاء والاضافة ، والإضافة في جوهرها هي المحافظة على الخصائص المتميزة لكل جهة او مدينة أو قطر فى العادات والتقاليد والممارسات ونمط العيش وهندسة المعمار . وما الثقافة الحق الا تفاعل جدلى بين كل هذه الخصائص والميزات المحلية والجهوية .
وعندما ندرج كلمة(التونسة) في مقولاتنا فانما نعني بذلك تلك الاضافة الخصوصية التى باستطاعة التونسي ان يقدمها للحضارة العربية الاسلامية من جهة والحضارة الكونية من جهة اخرى اذ كل قطر من أقطارنا مطالب بالخلق والاضافة . وكل جهة من جهات القطر الواحد مدعوة للمساهمة بعطاءات متميزة فشاعر الجريد مثلا ليس كشاعر غابات الفرنان من حيث مصادر الاستيحاء وابو القاسم الشابى استلهم صور قصائده من واحات الجريد فى حين كان لشعراء الساحل أو الشمال منابع اخرى للاستيحاء مختلفة
وقد تجد فى العائلة الواحدة اختلافا في هوايات الافراد وممارساتهم فهل معنى ذلك أن هذه العائلة مجزأة ولا وحدة فيها ، وهل من الصواب أن يكون كل الابناء نسخة مطابقة لوالدهم ؟ !
لذلك ترانى لا أزال منذ أكثر من ثلاثين سنة ادعو الى تنمية تلك القدرات المتنوعة وتنشيطها والعمل من أجل الوحدة فى التنوع والشمول مع الخصوصيات .
واليوم تعاني امتنا العربية من انغلاق لا مبرر له . الشئ الذي ساهم فى الغالب في تدني العطاء الابداعي وكرس التأخر على اديمها . لكن بالثقافة نستطيع أن نحطم جدران الجفاء . فقد يجوز اختلافنا سياسيا فى ظرف ما او فى قضية بعينها ، لكن لا مبرر لاختلاف ثقافى بيننا . فنحن نشترك في الدين واللغة والحضارة والتاريخ والمصير . ولهذا فان ضرورة تكاملنا ثقافيا لا لبس فيها
إن الاستعمار سعى منذ مطلع هذا القرن الى اقامة الحواجز بيننا بالتشجيع على تعلم اللهجات العامية وتدريسها . ونحن اذ نجيز استعمال العامية فى الحوار وفي حدود معينة - حسب ارادة بعض المبدعين فى القصة والمسرح - فاننا نعتقد جازمين ان اللهجات العامية عنصر تفرقة وتباعد وان خطرها كبير
إن تونس تحجر على رجال التعليم التدريس بالعامية ، وقد ساهمت خطب الرئيس الحبيب بورقيبة ومحاضراته وكذلك الاذاعة الوطنية فى تبسيط العرب الفصحى فأصبحت في متناول الجماهير التى ارتفع مستواها اللغوي فى نفس الوقت بفضل تعميم التعليم وانتشار الثقافة
هذه هي قناعاي التي لن تغير منها المسؤولية السياسية شيئا ، بل إن هذا المنصب اسخره لتنفيذ جملة التصورات الثقافية والحضارية القومية الساكنة ذاتي ، فهو عندي اداة وليس غاية في حد ذاته . ذلك أني بدأت حياتي مناضلا وسابقي كذلك حتى النهاية
وحبذا لو بقى كل المسؤولين فى الحكم أوفياء لهذا التصور الحضاري . اذ الحضارة عنصر وحدة . ومن هنا وجب علينا ان ننميها ونعتز بها وندافع عنها وندرا كل عوامل وتيارات الزيغ عن ساحتها . ولان الجدل استفحل بين السياسية العرب وكثرت الخلافات فان الواجب يدعونا نحن رجال الثقافة الى صيانة
شابنا من الضياع والبأس ، إذ أخشى ما نخشاه هو أن تشب أجيالنا الصاعدة - سبب أوضاعنا السياسية الصعبة - على الفشل والعجز والارتماء بين أحضان ثقافات اجنبية .
وفي هذا الاطار المتميز بصعوبة أوضاعنا السياسية ، علينا بالسعى الى تقوية جامعنا المشترك أى الثقافة التى بها نصون ذاتنا من التلاشى ونحفظ جوهر وجودنا رغم تكاثر الاعراض والعناصر الخارجية والداخلية العاملة على تفريقنا وهذا ما يجعلنا ننظر الى الافق بتفاؤل . وقد ذكرت بذلك اكثر من مرة عندما أرى اليأس والاستسلام وقد استبد ببعض المثقفين والكتاب وأذكر انى كتبت افتتاحية فى مجلة " الفكر " اثر امضاء اتفاقيات مخيم داود بالخصوص ، قلت فيها ما معناه : إنه بامكاننا التماس بعض الاعذار ونحن نرى السياسيين والمسؤولين يزورون القدس ويسعون الى التطبيع خاصة وأن المسألة قد تكون ظرفية أما رجال الثقافة والكتاب الذين ابطحوا وسلموا بتفوق الصهاينة فهذا أمر عسير الهضم .
ولكن الذي يصعب تداركه ثقافيا - اذا ما انحدرنا اليه وتورطنا فيه - فهو اليأس وفقدان الشباب العربى الثقة فى النفس والتسليم بأن العدو الصهيونى لا يقهر فيتملكه تبعا لكل ذلك الاحباط ، وتكون المصيبة . طالما أن الاستعمار ينطلق بضرب ملكات التفكير والاحساس لدى الانسان ويفقده الثقة فى النفس . وقد كان التونسيون يعتقدون في مطلع القرن أن الاستعمار قضاء وقدر والامبراطورية الفرنسية باقية لن تتزحزح فسعينا الى تغيير هذه العقلية حتى اندحر الاستعمار يوم تصدينا له بالثبات والروح المعنوية العالية ودرء اليأس عن أنفسنا ، ولم يكن ذلك لا بالدبابات ولا بالعتاد العسكري
وقد تجد من بعض المثقفين " العقلاء أو"الواقعيين"فى تلك الفترة من يقول للرئيس الحبيب بورقيبة : إن وجود فرنسا قضاء وقدر . وإنها باقية ، الى أن يقدر الله ذهابها ولهذا علينا أن نبقى مكتوفى الايدى حتى يأتي اليوم الذي نستيقظ فيه صباحا فنجد فرنسا وقد رحلت . وهذا هو عين القضاء المغلوط
وكنا نجد بعض المشائخ بعمائمهم وبرانيسهم يحفظون القرآن وبدرسون علوم الدين وهم مورطون مع فرنسا تكريسا للاستعمار . فلما قادت الإمبراطورية الفرنسية على ارض تونس الحملة الصليبية التاسعة بمناسبة انعقاد المؤتمر الافخارستي ونزل قرابة ثمانية آلاف شاب يحملون الزي الصليبي في شوارع تونس كان عدد من كبار المشائخ والمفاتى حاضرين في المنصة الشرقية مع كبار القساوسة والمقيم العام فاندفع محام شاب يقود مجموعة من ذوى العزائم الصادقة ليبدأ جهاده بتغيير عقلية التونسي عملا بالآية الكريمة إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم " وما هى "الا فترة من الزمن عصيبة حتى اصبح التونسي يرفع رأسه عالية تحديا للفرنسي ورشاشه مجسما ارادة الحياة كما ذكرها الشابى فى قصيدته الشهيرة .
وهكذا انتصر الشعب التونسي نفسانيا ثم انتصر عل الواقع الاستعمارى .
واني اؤكد على ضرورة صيانة شبابنا من وهم اسطورة التفوق الاسرائيل فيشعر بالاحباط والياس والاستسلام ويقبل بالامر الواقع . وهنا يأتي دور الثقافة باعتبارها عنصر عصمة من الاستسلام والذوبان فى منطق الاقوى لان قوة الروح أشد من الحديد والنار . فالروح نسبق المادة دوما وهذا هو جوهر الثقافة أساسيا وعلينا كمثقفين ومسؤولين ووزراء ان تشيع هذه المعانى بين شبابنا بالطرق العلمية الحديثة حتى يقف شامخا امام العدو ويواجه المشاكل التى نعترضه برباطة جأش ويعالجها بشجاعة وحكمة ويؤمن بأن نكهة الحياة وشرف الانسان فى مصارعة المشاكل وتجاوز منزلة الدون ! ومعنى هذا ان الثقافة هي ما بصون الامة من عوامل التلاشي والمسخ ويبقيها حية الى أن يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين
على كل ها نحن نواصل النضال رغم أن بعض الظواهر توحى أن من يتحمل المسؤولية السياسية قد يتواطا مع الواقع أو يتورط فيه ولكن العكس هو الذي حصل بالنسبة إلينا والحمد لله ! والواقع لن يتجاوزنا ، ونحن مازلنا فى ساحة النضال جنودا لخدمة المبادئ السامية الساكنة فى أعماقنا دوما

