الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، الذكرى الخمسون لانبعاث الحزب الاشتراكي الدستوري

Share

احتفل الشعب التونسى يوم 2 مارس 1984 بمرور خمسين سنة على انبعاث الحزب الاشتراكى الدستورى ( الحزب الجديد ) على يد المحامى الشاب الحبيب بورقيبة بقصر هلال ، وقد تولى هذا الحزب منذ ذلك التاريخ وأثناء اثنتين وعشرين سنة قيادة حركة التحرير الوطنية بخطة جديدة تعتمد على كل قوى الشعب حتى النصر واعلان الاستقلال ثم سهر هذا الحزب نفسه بنفس القيادة طيلة ثمانية وعشرين سنة على تسيير شؤون البلاد والنهضة بها والبلوغ بها الى مراتب لا يمكن ان ينكرها من نظر الى الواقع التونسى بعين الفاحص المتجرد .

وليس من طرق هذا الموضوع فى هذه الصفحات القليلة سرد تاريخ تونس الحديثة منذ خمسين سنة لأنه مرتبط بتاريخ هذا الحزب ولا تعداد المكاسب التى حصلت عليها تونس منذ سنة 1956 لأن ذلك يقتضى تحبير مجلدات عديدة وانما غرضه هو إلقاء أضواء على الركائز الأساسية التى انبنى عليها هذا الحزب وأصبح ملتصقا بالشعب التونسى أشد الالتصاق متجاوبا مع نوازعة الدفينة ومستجيبا لمتطلبات مقومات شخصيته الأساسية .

لم ينبعث (( الحزب الجديد )) من العدم بل كان الافرازة الطبيعية لتطور الحركة الاصلاحية التونسية منذ أن استفاقت تونس كبعض شقيقاتها فى المشرق العربى ( مصر والشام بالخصوص ) الى حضارة الغرب القوية المنيعة والى ما وصلت اليه بلدان أوربا من تنظيم سياسى واقتصادى واجتماعى لا يضاهى . ولم يغب عن

النخبة التونسية التى درست اللغات والعلوم العصرية ونهلت من ثقافتها العربية الاسلامية فى مدرسة باردو الحربية فى الثلث الثانى من القرن التاسع عشر ثم بعد ذلك فى المدرسة الصادقية على أيدى أساتذة أجانب ومشايخ من الزيتونة أن سبب ضعف العالم العربى والاسلامى انما هو تخلفه عن ركب الحضارة وجمود هياكله وعجزها عن التطور الطبيعى العلمى والاقتصادى وبالتالى السياسى .

وكان المجهود الذى قامت به هذه النخبة قبل الاحتلال الفرنسى سنة 1881 هو الحفاظ على الشخصية العربية الاسلامية التى لا تتنافى مع النهضة العلمية الحديثة بل هى تنطلق أساسا من التفكير الخلدونى ( وهو ما يفسر تمسك هذه النخبة وشغفها بابن خلدون ) الذى هو قمة التفكير الاسلامى والتطور الطبيعى  لعصارة عقول الجهابذة من المسلمين والمؤذن بكل قوة وسلامة ادراك بحلول العصور الحديثة . ولكن العالم الاسلامى لم ينتبه لأسباب يطول شرحها الى هذا الحدث وانكفأ على نفسه يجتر فى غيبوبة وانكماش وتحجر ما قام به الاجداد فى عصور الازدهار والقوة .

ولو كتب لتونس أن سارت سيرها الطبيعى على يد هذه النخبة ولم تصب بالاحتلال ثم الاستعمار فى أبشع مظاهره لكان أمكن لها ان تذلل كل العراقيل والمصاعب كما كان الشأن بالنسبة الى اليابان الذى بدأ نهضته فى نفس الفترة وأتقن كل علوم الغرب مع المحافظة على أصالته وشخصيته ولم يصب بحكم الأجنبى ولا عاقه فى ذلك أى عائق .

وهكذا وجدت النخبة التونسية وخاصة المتخرجة من المدرسة الصادقية فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين نفسها مصطدمة بنظام الحماية الذى كانت غايته الأولى هو طمس شخصية البلاد وجرها حضاريا الى البوتقة الغربية معتبرة ان الاربعة عشر قرنا من الحضارة الاسلامية انما هى عثرة من عثرات الزمان وأنها يمكن أن توضع بين قوسين.. وكانت حركة الشباب التونسى ( الى مشارف الحرب العالمية الأولى ) ثم الحزب الحر الدستورى ( الحزب القديم ) ابتداء من سنة 1920 هما اللذان حاولا التصدى الى ما كان يدبره الاستعمار للبلاد ولكن من دون خطة واضحة ولا تحليل يتماشى مع متطلبات الوضع .

وكان ظهور المحامى الشاب الحبيب بورقيبة على مسرح السياسية انطلاقا من الحزب الحر الدستورى القديم اذ كان فى الأول عضوا فى لجنته التنفيذية وكان

انبعاث الحزب الجديد فى 2 مارس 1934 بقصر هلال وظهر عند ذلك ان خير من يواصل هذه النهضة بالكفاح السياسى المنبنيى على نظرة حضارية سليمة ومتأصلة انما هو حزب بورقيبة .

وأبرز الزعيم الشاب آنذاك أن القضية ليست هى تحرير شعب من ربقة الاستعمار فقط وانما الأمر يكمن فى الخطر الذى يهدد الشعب التونسى فى شخصيته العربية الاسلامية واصرار نظام الحماية على مسخ ذاتيته وارغامه على الذوبان فى بونقة خارجة عنه . ولهذا كان تأسيس الحزب منطلقا من وقوف الحبيب بورقيبة ضد التجنيس وتحريك سواكن التونسيين المنتمين الى الدين الاسلامى . ولقد عبر فى مقالاته آنذاك عن التمسك بالشخصية التونسية العربية الاسلامية وضرورة الحفاظ على مقوماتها .

هذا ركن أول من أركان هذا الحزب ولا يزال الى اليوم قائما أما الركن الثانى فهو ينطلق من الركيزة الاساسية للنهضة التونسية الأولى وهى التفتح الى كل ما جعل الغرب قويا منيعا والحوار معه حوار الند للند فجاءت بذلك تلك الخطة                                                                                                          الطريفة التى جمعت فئات الشعب التونسى حول الحزب الجديد وتفطنت الى سبل من التنظيم والتفكير بعيدة عن العشوائية القديمة والسذاجة السياسية المعهودة.

فكان الحزب الجديد أثناء الكفاح التحريرى وبعد الاستقلال يستند فى عمله السياسى ومع كل القوى الحية فى البلاد الى هذين الركنين : الحفاظ على الشخصية العربية الاسلامية للبلاد والتلاؤم بدون تحفظ مع مآتى العصر من غير تحد لأي كان ولا تهور ولا نبذ لحضارة دون أخرى .

وإن تمسك الحزب الاشتراكى الدستورى بهذين المبدأين بما يقتضيان من مفاومة لرواسب عصور الانحطاط : عصور الطوائف والفرقة والتناحر وعهود الجهل والظلم والطاغوت وبما يتطلبان من مجابهة لنوازع التبعية والخنوع هو الذى جعله يصمد أمام طوارق الزمان ويجمع حول الحية للشعب ويحقق من المكاسب ما يعتز به كل تونسى ويتجاوز ما ورثته شرائح المجتمع منذ القديم على كل المستويات من دفين العادات والنزعات والنزغات .

وإن صمود المؤمنين بهذا التوجه السائر فى اتجاه التاريخ رغم التعمية التى يقوم بها البعض والتضليل الذى يعمد اليه البعض الأخر هو الذى يجعل

الحزب الاشتراكى الدستورى بقيادة الرئيس الحبيب بورقيبة أقرب الأحزاب استحابة لرغائب الشعب التونسى على هذا الأساس وهو القادر - رغم جهل الجاهلين وما تصل بهم غلواء المصالح - على التغلب على العراقيل والسير بالبلا الى ساحة النجاة .

وان الواعين بهذا التوجه لا فى صفوف الحزب الاشتراكى الدستورى فحسب بل من بين التونسيين ، لعديدون ونجدهم فى تحاليلهم لا يبتعدون عما أكده الرئيس الحبيب بورقيبة مرات عديدة فى هذا المجال وما انفك يحلله بكل اطناب الأستاذ محمد مزالى الأمين العام للحزب والوزير الأول .

وهكذا فان تطور تونس من يوم نهضتها على يد نخبتها الأولى لم يتسم بغير السمات التى أبرزتها وأن كل من اتخذ طريقا آخر فيه نكوص على الأعقاب وتسحلف فى التاريخ أو فيه تبعية وتفسخ فى الغير لم يكتب له النجاح سابقا ولن يكتب له النجاح فى المستقبل .

وليس هذا تطرف أو تحزب مقيت بل ان هذا التوجه هو الذى يلتف حوله أغلب التونسيين سواء كانوا فى صفوف الحزب أو خارجه والأمر يقتضى الانفلات من ثقل ما تحف به المشاكل اليومية وتعقدها الى فسحة الدعوة الاصلاحية المستقبلية التى تعطى الأمل الى الشباب وتجعله يطمئن اطمئنان المؤمن الغيور على وطنه ومقوماته .

اشترك في نشرتنا البريدية