الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، الرحلة الافريقية

Share

لم يمض عام على الرحلة التى قام بها الاستاذ محمد مزالي الوزير الاول الى باريس وقد سميتها آنذاك الرحلة الباريسية ( * ) تذكيرا برحلة اخرى قام بها أولو الامر فى تونس في أواسط القرن التاسع عشر ونال أثناءها مدير مجلة " الفكر " ميدالية الصربون حتى شد الرحال الى ثمانية بلدان افريقية زارها من 21 جانفى الى 4 فيفري 1984 ( موريتانيا - الطوفو - البنين . الغابون - الكامرون - النيجر - السينغال - مالى ) .

واذا كانت هذه الرحلة سياسية ، الغرض منها هو تدعيم الروابط بين تونس وهذه البلدان الافريقية ومد الجسور المقطوعة منذ أن حل الاستعمار فى بلدان المغرب العربي فان لها فى الواقع جذورا تاريخية قديمة وابعادا حضارية متصلة بأحداث عريقة تفاعلت معها هذه الرقعة من الارض منذ القدم وجعلت منها رمزا لما كان يجب من تواصل وترابط متين فى نطاق المصالح المتبادلة والتراشح الطبيعى .

ألم يؤكد المؤرخون على البعد الافريقى لقرطاج البونيقية وما كانت تحرص عليه من وجوب الترابط مع بلدان افريقية وليست رحلة حنون الا ذكرى

باهتة لهذه العزيمة السياسية المرتضاة آنذاك . ومهما كان شك المؤرخين فى تفاصيلها وحجمها فانها تدل على أن الترابط الطبيعى بين الشمال ( أوربا ) والجنوب يجب ان يكون همزة الوصل بينهما افريقيا الشمالية

واذا كانت هذه المحاولات قد اخفقت كلها فى القديم وتعثرت فانما لانها أقيمت على العنف والقوة مما انجر عن ذلك الحروب والمآسي التى خلفت الأحقاد وألوان الهيمنة وانجر عنها الاستعمار البغيض سواء كان الرومانى فى القديم او الاوربي في القرنين التاسع عشر والعشرين وكان ديدن هذا الاستعمار هو تفريق شمل الافارقة والعرب ، للاستيلاء على الخيرات والحفاظ على المصالح مما جر الوبال على البلدان الاوربية فيما بينها وجعلها تخوض حروبا ضارية اهلكت الحرث والنسل وكادت تقضى على البشرية .

ومن المؤسف ان كل الاسباب التى جرت الويلات ما زالت قائمة بين البلدان الافريقية والعربية وفي صلب البلدان الغربية التى تجمعها مصالح كثيرة ولكن تفرقها ممارسات قديمة وقناعات اخني عليها الدهر . ولم تفد لا الندوات ولا علم العلماء وبحث الباحثين ودارسة الدارسين ولا مبادرات السياسيين المحنكين .

وقد حاول الرئيس الحبيب بورقيبة منذ الاستقلال إقامة العلاقات بين الدول وخاصة الشقيقة والصديقة مبرأة من كل هذه الشوائب وقام سنة 1966 برحلة الى عدد كبير من بلدان افريقيا التى تبنت تونس سنة 1960 انضمامها الى الامم المتحدة بعد استقلالها وحاول مد الجسور المقطوعة وأقام بين تونس وبينها علاقات أخوة وصداقة ثم أنه رغبة منه فى لم شمل جزء من البلدان الافريقية المستعملة للغة الفرنسية دعا الى اقامة علاقات على أساس الفرنكوفنية باعتبار اللغة الفرنسية أداة تواصل بين البلدان الافريقية وغيرها مثل الكيبيك وبلجيكيا ولم تنل الفكرة حماس الجنرال ديغول آنذاك وتمت القمة الفرنكوفونية فى أوائل هذه السنة .

وتواصل تونس هذا المسعى متجاوزة كل العراقيل وتمثل ذلك فى هذه الجولة التى قام بها الاستاذ محمد مزالي في ثمانية بلدان افريقية وفي حضوره

لقمة الفرنكوفونية التى لا تتعارض مشاريعها المتفق عليها أخيرا مع تشبثنا بلغتنا العربية وحضارتنا العربية الاسلامية بل هي تمكننا من ربط الصلة بين أولئك الذين تزيدنا معرفة بهم وتزيدهم معرفة بنا اللغة الفرنسية نظرا الى أن اللغة العربية قليلة الانتشار الآن فى تلك الربوع

وبهذه الصورة لم تكن رحلة الاستاذ محمد مزالي في نظرنا سياسية إذ أنها مكنت تونس من ان تربط علاقات وطيدة سياسية واقتصادية وثقافية فقط بل هي تحمل فى طياتها معانى عديدة ابرزها الوزير الاول التونسي في خطبه وتصريحاته وركز عليها لقاءاته وهى تنبثق من هذا السعى العميق العريق فى تلافى العوائق والعراقيل التى تحول دون التعاون المثمر بين بلدان العالم وتجعل الفرقة والشحناء والتناحر هي السند في العلاقات

وإن الذى يمكن حوصلته - بالنسبة الى العوائق المتنوعة - لا يحصى و لا يعد فهو يتعلق بمساوئ شخصية لصيقة بأولى الامر تارة وتارة اخرى يرتبط بانساق وأنظمة ارتضتها الدول لها تثبيتا لمصالحها وضمانا لها .

وأول هذه الهنات التى أصابت منذ زمان رجال السياسة وكانت سببا فى المحن والاحن هو ما سماه ابن خلدون الانفراد بالمجد الذي يجر الى الدكتاتورية والحكم المطلق وهو النزوع الى ضرب من العظمة المزيفة لانه كما قال نيتشة : " ليس للرجل العظيم فكره فقط بل ايضا له فكر أصدقائه " وهذا فى الواقع يجر الى فكرة الشورى التى أساسها التشاور والحوار المستمر

وأعظم الهنات هو ما وقع فيه الكثير من بلدان العالم الثالث بعد استقلالها وهو التمسك بالايديلوجيات وبالانساق الفكرية الجاهزة التى لا تتماشى مع واقع الشعوب بل هى فى آخر الامر تغرق فى ممارسات شبيهة بممارسات الاستعمار أو عصور الانحطاط وأكثر من ذلك فهي تنحو منحى فيه تتبع سياسة توسعية ما إما اقتصادية أو مذهبية وحتى دينية . ولم يكن دور جانب كبير من المثقفين فى بلدان العالم الثالث مساعدا فى هذا المجال على تلافى هذه الهنات بل ان الكثير منهم لم يقفوا موقفا حصيفا ومضوا يغذونها

ويزيدونها استشراء ولم يعملوا على تقوية جانب الخير وشد أزر أصحاب كلمة الحق والعاملين على دعم الديمقراطية .

ويظهر أن البلدان الغنية التى ترى أن خير ضمان لمصالحها هو الاستمرار فى الممارسات الاستعمارية المقنعة شجعت هذه الهنات سواء الكامنة فى أشخاص أولى الامر أو اللصيقة بطبيعة الأنظمة فحققت بذلك ما تصبو اليه من تفرقة وبث الشحناء وهو ما جعلها تستمر فى استغلال شعوب العالم الثالث واضفاء هيمنتها عليها ، وأصبحت تضرب الحصار على مناطق شاسعة وتجعلها فى فكى ملزمه بصنع أيدى اصحابها الناسجة للفرقة

واعظم مثال لذلك هذه العزلة المضروبة بين العالم العربي من جهة والبلدان الافريقية وبين البلدان الافريقية والمغرب العربى وجعل هذه المنطقة بين فكي ملزمة : أوربا من جهة وافريقيا من جهة اخرى ثم هذه العزلة بين البلد والبلد الآخر وهي ليس مبالغ فيها اذ حتى اذا صح العزم لازالتها تبقى الحواجز التى صنعها النظام الاقتصادى العالمي المهيمن عليه من قبل الدول الغنية دون التعاون الطبيعي المثمر .

وفي اعتقادى أن المحاولات التى يقوم بها أولو الامر فى تونس منذ أن استقلت هذه البلاد وأرسى الرئيس الحبيب بورقيبة نظامها على أسس متينة ويواصل ذلك بكل ثبات ونجاح الاستاذ محمد مزالي الوزير الاول ، إن هذه المحاولات تعد مساهمة في الخروج من هذه الهنات خاصة وأن تونس ليس لها أية فكرة توسعية لا ايديلوجية ولا اقتصادية ولا عسكرية وانها تعمل في الاتجاه الذي يقيم العلاقات بين الدول على الاحترام المتبادل وعلى التعاون المصلحى الكفيل باضفاء الخير والامن والطمأنينة على كل الشعوب

اشترك في نشرتنا البريدية