الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، السلم الابدية بين قرطاج دردمة

Share

فى الثانى عشر من فيفرى 1985 أمضى الاستاذ الشاذلى القليبي رئيس بلدية قرطاج مع زميله شيخ مدينة رومة اتفاقية السلم الدائمة بين المدينتين . وكان ذلك مناسبة لتبادل الكلمات ولابراز المعانى والعبر التى يمكن استخلاصها من توقيع الاتفاقية وهى فكرة كان الرئيس الحبيب بورقيبة اقترحها من قبل ولم تسمح الظروف السياسية فى ذلك الوقت بادخالها حيز التنفيذ .

ولعل الذين لم يدركوا أبعاد هذا الحدث ذهب فى ظنهم أنها مجرد فرصة اغتنمها أهل السياسة كعادتهم لصرف الناس عن قضاياهم الحقيقية ولفت انتباههم الى مواضيع لا تفيدهم فى معاشهم بله معادهم وأنه ليس أفضل من مواجهة الاحداث التى تحف بنا من كل جهة وهى آنية وظرفية تلح علينا إلحاحا حادا وتقتضى أن نجردها مما علق بها من أوصاب السنين وثقل الازمان ورواسب الماضى .

غير أن الملاحظ النزيه أو صاحب الرأى الحصيف لا يمكن له إلا أن يفهم ابعاد هذا الحدث فى صيغته ومحتواه وأثره فى مجرى الامور ومعناه العميق فى نفوس الافراد وبين الشعوب . ذلك أن الصيغة المتمثلة فى ابرام السلم الدائمة بين قرطاج ورومة من شأنها أن تلفت الانظار وتستقطب الاذهان                                           3                                  875

وتستفز النفوس لمزيد المعرفة والتروى فى فهم الحدث حتى لا يمر مر الكرام ويتبخر فى طرفة عين .

واذا كان مكان التوقيع هو قرطاج هذه المدينة التى شغلت ضفتى البحر المتوسط طيلة قرون فان شعوب العالم كلها لا بد أن تشرئب أعناق أفرادها لتفهم الحدث والتروي منه . نعم قرطاج تلك التى نبعت من الاسطورة وذرت حقيقتها من الخيال ولكنها شبت وترعرعت وشمخت بين واقع الناس : فى الحرب والسلم ، فى الشدة والرخاء ، فى العظمة والتضاؤل ، فى المجد والانهيار .

لقد بقيت قرطاج سواء كانت بونية أو رومانية أو بيزنطية عظيمة فى أذهان الناس على مر العصور رغم أن ذاكرة الشعوب فى كثير من الاحيان تبدو كيلة . ولكن قرطاج - حتى بعد تقلص العمران فيها بدخول العرب الفاتحين وبروز مدن أخرى لاسباب يطول شرحها - بقيت فى الذاكرة مما حدا بمحرز بن خلف الى القول فيها :

خليلي مرا بالمدينة وأسمعا               مدينة قرطاجنة ثم ودعا

طلولا بها تبكى لفقدان أهلها              كما ندب الاطلال كسرى وتبعا

وقولا لها : ما بال ربعك دارسا ؟       وما بال وفد قد بناك وودعا ؟

وخلاك من بعد اجتماع وغبطة           ومن بعد تشييد خلاء وبلقعا

حتى يقول :

فيا صاحبى ان جزتما بربوعها           خليلي الا ناديانى وسمعا

فلن تسمعا الا الصدى بعد هاتف          مجيبا لها ثم الرياح الزعازعا

ولم يدر بخلد محرز بن خلف أنه سيكون لقرطاج جولة أخرى وأنها ستعرف مجدا مجددا يسامق عنان السماء وأنه سيكون لها من العمران والعز والسيادة ما يضاهى ما كانت عليه أو أكثر مناعة ورخاء وعظمة .

أما رومة فانها من ذلك الوقت بقيت صامدة أمام طوارق الازمان لم تعرف ما عرفت قرطاج قرونا من انكسار وضياع بل كانت بين الجزر والمد محافظة على قوتها متصارعة مع الاحداث ثابتة الاقدام .

أما محتوى الاتفاق فمعانيه شتى وإن ما كتبه فى ذلك اليوم الاستاذ محمد مزالي ليبين فى هذه الفقرة معنى بليغا اذ قال :

(( وفى المقام الاول إن قرطاج كانت تمثل الشرق أى تلك المعتقدات المتصلة بالتقاليد الدينية للشعوب السامية وكذلك طريقة فى العيش وأسلوبا فى التفكير وفى تصور العالم ومصيره هما أقرب الى ثقافة مصر الفرعونية وفلسطين الكنعانية والى عالم جزيرة بين النهرين تضاف الى ذلك علاقة جوهرية أساسية بالبحر وبالمحطات التجارية البحرية وحس تجارى عميق ومهارة يدوية عجيبة وتفتح واسع أيضا على حضارات المحيط الخارجى البعيد يخفف من حدتها روح الدقة والتعلق بالذات .

ثم إن رومة من جهتها عزما منها على البقاء وفية لجذورها كانت مدينة أناس متشبثين بالارض وكانت روابطها بالتيارات الكبرى للثقافة الهندية الاوربية تدفعها الى أن تكون رمزا للغرب .

وبالرغم عن وجود تأثيرات شرقية واضحة فان المدينة اللاتينية كانت بدون الاعراض تماما عن المبادلات البحرية منصرفة الى احياء الارض وتلقين ابنائها محبة التربة . وبحكم تعلقها بحقوق الارض أكثر من اهتمامها بالتصوف أو بالحماس الشعرى فقد شهدت فى أرضها نشأة وتطور الروح القانونية إن لم نقل : فقه القانون وحتى الحيل القانونية وفسحت المجال لدقائق الاستدلال والجدل حتى بلغت حد الاسراف فى المنطق الشكلى فى حين كان دين رومة وحياة مواطنيها اليومية تطغى عليها الروح العملية التطبيقية وتوخى الاحكام فى التنظيم )) ( * ) .

لقد برز فى هذه الفقرة أن قرطاج ورومة عالمان متباينان وأنهما من أجل هذا ورغم جنوحهما للسلم مرات عديدة فان العداوة لها جذورها العميقة وان

كلا منهما يستمد قوته من هذا التباين الذى يظهر فى خصوصيتيهما . ولكن الواقع يحتم الجزم بأن هذا لم يكن ليمنع التقارب والتكامل لو لم يتعمق فى الأذهان أنه لا حياة لواحد منهما الا بضعف الآخر أو زواله وأن القوة فى التوسع والاستيلاء على أراضى الغير وانتهاك أمن الطرف المقابل وتهديد مصالحه .

هذا هو الاصرار الذى ساد ويسود بين البشر قديما وحديثا : العدوان والاستثراء على حساب مصالح الغير فردا كان أو جماعة والاعتداء الصارخ على كل من كان فى غفلة من أمره مشغولا عن الذود عن كيانه مهزوز العزيمة مفلول الحزم . وإن هذا الاصرار هو الذى قاد البشرية الى هوة الفناء وزعزع اقتصادها وأمنها ثم بعد أن أطاح المنتصرون بالنازية والفاشية واعتبروا بما غرقوا فيه طيلة القرون من حروب وإحن ها هو شبح ما قبل الحرب العالمية الثانية يتراءى للناس وكأنهم نسوا ما قاسوه وما كابدوه من أجل ارجاع أمنهم وثرواتهم وكأنهم لم يعيشوا الدمار والخراب .

إن توقيع هذه الاتفاقية إقرارا للسلم بين قرطاج ورومة إنما هى تطرق بقوة الاذهان وتنبه باصرار كل من يريد معاودة الكرة ونسيان إحن الماضى وهى تريد أن تعبر عن حقيقة يجب أن تسلم بها كل الشعوب والانظمة هو أنه لا غنم من العدوان وأن الربح العاجل لا يخلف الا الخسارة الفادحة وأنه يحق لبني البشر أن يوفقوا بين مصالحهم وأن يتنافسوا فى الخير وأن يتضامنوا لأن ذلك هو دوام الاستقرار والأمن والرخاء .

بهذه الصورة يخدم هذا الحدث لا مصلحة تونس وايطاليا فحسب بل هو يريد أن ينبه الى أن الغرب والشرق - ولو أن رؤيتيهما للكون متغايرتان - فى مقدورهما أن يتكاملا ويتعارفا ولو لم يتحدا فى كثير من وجهات النظر والمصالح .

اشترك في نشرتنا البريدية