الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، الشعر واللاشعر

Share

إن هذا الموضوع الذى أردت أن أبسطه هذه المرة قديم قدم الكلمة وخطير على الساحة الادبية والثقافية مثلما كان الشأن فى عصور عديدة وقد تناوله النقاد بالبحث والدرس وصنفوا فيه التصانيف وأولوه عناية كبيرة وأقاموا النظريات للبت بصورة جذرية فى القضية ولكن هيهات لان البحث فى هذه المجالات لن ينتهى أبدا .

وليس الغرض من هذا الفصل تعداد المدارس والاتجاهات التى اتخذت من كلمة " لا " وما بعدها دليلا على التجديد والتوغل فى مجالات مجهولة من الخلق وترجموا ذلك تارة عن حرف - أ - بالفرنسية السالب ( a privatif ) فقالوا باللا أدب ( alittérature ) الذى أشاعه كلود مورياك " للتعبير عن التزام التلقائية والبساطة والابتعاد عن المحسنات اللفظية المتكلفة فى التعبير عن الموضوعات الادبية " وتارة أخرى ترجموا اللام عن لفظة ( anti ) لما اكتشفوا اللا رواية عند الكاتب الفرنسى " ديدرو " ( Diderot ) في قصته " جاك الجبري وسيده " ( Jacques le fataliste et son maltre ) وهى الرواية التى تضع القارئ فى حالة حوار فكري أو خيالى مستمر مع مؤلفها من غير أن تحاول ايهامه بواقعيتها أو تدفعه الى تقمص احدى شخصياتها " أو لما عرفوا الرواية الحديثة ( anti roman ) وما يقابلها فى المسرح مما يسمى " باللامسرح " مع " بيكيت " ( Beckkett ) و " يونسكو " ( es٥ و " أدموف " ( Adamov ) أو ما يدعى " باللاجملة " ( antiphrase ) وهو نوع من التعبير يؤدى الى معنى يغاير تماما المقصود .

ولم أقصد الحديث عن أصناف الشعراء ابتداء من الشعراء الفحول والشعراء الفرسان الى شعراء الكدية وشعراء المقابر أو عن فصائلهم وفيهم من اقتصر

على قول الشعر ( من مادة شعر بفتح العين ) أو من أجاد الشعر ( من مادة شعر بضم العين ) وفيهم المتشاعر ( الذى يتعاطى الشعر ) والشويعر ( الشاعر الصغير لا فى معنى الشباب بل المقصود حجم شعره ) والشعرور ( الشاعر الضعيف جدا ) .

وليت شعرى ( بمعنى ليتنى علمت اذ الشاعر سمي بهذا الاسم لانه يشعر ما لا يشعر غيره أى يعلم ) لو أن لى فسحة من الوقت لمضيت فى التصنيف أكثر مما مضى الشاعر فى القديم ( ونحن فى العصر الحديث وزمان التطور ومن الطبيعى أن تكثر الاصناف والاشكال ) عندما قال :

الشعراء فى الزمان أربعه

                فواحد يجري ولا يجرى معه

وواحد يخوض وسط المعمعه

                وواحد لا تشتهي أن تسمعه

        وواحد لا تستحي أن تصفعه

ولا أريد أن أتحدث عن الاصناف التى توخت اللانحو جهلا او تعنتا ولا الذين يحفزهم الحقد على اللغة وعلى البشر أيضا ( طبعا ) وأخيرا على أنفسهم وكفروا بنعمة اللغة وبالتالى كل إكرام عملا بقول المتنبي :

وإن أنت أكرمت الكريم ملكته       وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

ولا أقصد البحث عن غريزة القطيع فى الشعر أو مبدإ " في الاتحاد قوة " لأن الأشعار الضعيفة اذا جمعت كتلة واحدة لا تؤلف الشعر الجيد ولا يحسب لها حساب اذ الشاعر يبقى فردا وحيدا أوحد فاذا هو أجاد يصبح واحدا كألف واذا هو أسف فلا يساوى شيئا وكذلك فانى لن أتطرق الى نوع من " الشعر الصحائفى " الذى يتخذ مطية لخدمة ايديولوجية ما أو مصلحة شخصية مبيتة .

إن موضوع الشعر واللاشعر أخطر من هذا كله لانه يتناول بابا هاما من فن الشعر poétique ( على حد تعريف أرسطو ) يتعلق بالمعايير التى يمكن بمقتضاها تمييز الشعر عن غيره من أوجه الابداع الفني وكان النقاد القدامى أخرجوا كل أنواع العمل الشعرى الذى لا يتقيد بقواعد اللغة والاوزان الخليلية ويميل الى الاتكاء على العامية عن بوتقة الشعر وسموها بالفنون السبعة مع أنها لا تخلو من روح شعرية وشكل شعرى وهى المواليا وكان وكان والقوما والدوبيت والسلسلة والموشح والزجل .

وكان النقاد العرب حسموا المشكل حسما جذريا عندما اعتبروا الكلام شعرا اذا تقيد بالدوائر الخليلية وتمسك بقواعد النحو وبقوا على هذا الاعتقاد معتبرين فنون الادب السبعة خارجة عن تعريف الشعر حتى جاء أصحاب الموشحات الذين ابتعدوا بالموشح عن العامية واقتبسوا من هذا الاخير شكلا جديدا فرع القصيدة الى أسماط وأغصان واعتبروا التفعيلة أساس الشعر ولكنهم أبقوا على النسق الدائرى محافظين بذلك على الروح الايقاعية للشعر العربى

وكان هؤلاء الشعراء الافذاذ الذين تشربوا ، من محيطاتهم ومن تطور الموسيقى خاصة ، ايقاعات جديدة لم يغب عنهم أن التفعيلة لا يمكن أن تكون وحدة ايقاعية بل هى جزء من كل متماسك ولهذا لم يبتعدوا الا قليلا عن البحور التى ضبطها الخليل علما منهم أن هذا العبقرى مهما كانت درجة نفاذ بصيرته لا يمكن له بأية حال أن يوجد أوزانا مضبوطة دقيقة تشمل كل الشعر العربى وانما هى تقريبية يصيب أجزاءها ( التفعيلات ) من الزحافات والعلل ما يجعلها في كثير من الاحيان تخرج عن طبيعة البحر الايقاعية .

هذا تطور أول مكن الشعر العربى من ثروة ايقاعية عظيمة وحد من طغيان الفنون الادبية السبعة التى كانت تهدده ( الشعر الشعبى العامى لم يهدد أبدا الشعر الفصيح وهو خارج عن هذه الفنون ) وأتاح الفرصة للشعراء لطرق أغراض جديدة قريبة من الحياة اليومية والسمو بها سموا لم يتح لها عندما كانت فى اطارها الاصلى .

ثم جاء تطور ثان وهو ما سمي بالشعر الحر وهو الذى اعتبر التفعيلة وحدة ايقاعية وهو الالتباس الكبير الذى أخرج جانبا كبيرا من هذا النوع من الشعر من الايقاع الشعرى العربى اذ أنه طالما حافظ هؤلاء الشعراء على النسق الدائري لعدد التفعيلات وبقوا ينظمون فى بوتقة البحور الخليلية ولو تنوعت القوافى وتبعثرت التفعيلات فان قصائدهم حافظت على سمتها الشعرية . واذا هم تلاعبوا بالتفعيلات تلاعبا لا نظام فيه يربطهم بالنظام الايقاعى العربى فان انتاجهم يصبح لا يمت إلى الشعر بصلة .

وإن هذا التيه فى التلاعب بالتفعيلة هو الذى جر كثيرا من الشعراء إلى المغامرة فى نوع آخر من الشعر ربما يقترب فى ايقاعه وموسيقاه من الشعر العربى أكثر مما يكون عليه الشعر المتمسك بالتفعيلة . وهكذا أصبحت بحور الخليل بن أحمد خطرا على الشعر العربى من وجهتين : الاولى لانها

تجعل الشعراء يتمسكون باطار قديم لا يعبر عن ايقاعات الحياة فى عصرنا الحاضر والثانية لانها تبعد الشعراء عن ايقاع الشعر العربى الحقيقى الذى بدونه لا يكون الشعر شعرا .

ما العمل إذن ؟ إن الحل كما ذكرته منذ زمان فى كتاباتى هو العزوف عن الاوزان التى ضبطها الخليل التى هى تقريبية وايجاد أوزان أخرى أكثر دقة عن طريق الآله التى تقيس الايقاع للبحث عن الوحدة الايقاعية فى الشعر العربى . لا محالة هناك محاولات عديدة قام بها باحثون عرب وغير عرب تعتمد إما الايقاع الموسيقى أو غيرها من الاستنباطات النظرية ولكن أحدا لم يجرب عن طريق أحدث الآلات المخترعة من أجل قيس الايقاع ولهذا نبقى فى هذه الفوضى التى لن تجد حدا لها الا بأحد أمرين : ظهور الشاعر العبقرى الذى يحدث ضربا جديدا من الشكل الشعرى يسلم به كل الناس أو الظفر بالوحدة الايقاعية الحقيقية للشعر العربى والتى يمكن تطبيق تعددها ( وقد ذكر ابن سينا عبارة تعدد الايقاع بالنسبة الى الشعر ) وتنويعها على الشعر العربى كله من الجاهلية الى اليوم .

بهذه الصورة نحسم قضية الشعر واللاشعر ونجنب أدبنا التيه والضرب فى فلوات العقم والاستلاب والتقليد لان الشعر العربى يجب ان يبقى مهما كانت درجة تطعيمه وتجديده محافظا على روحه الايقاعية الاصلية ولهذا فان أى شاعر محدد مهما سمت درجة تجديده لا يمكن له أن يجدد فى الشعر العربى اذا هو لم يكن فى الاول قادرا على النظم فى العمودى متشبعا بدقائقه عارفا بأسراره ثم كان له من القوة والطاقة ما يخوله تجاوز ذلك بصورة من الصور .

اشترك في نشرتنا البريدية