الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، المجالس الجهوية للثقافة و الزمن الصعب

Share

لفت نظري في اواخر شهر جانفى ما اوردته وكالات الانباء من اصداء عن المؤتمر الثامن والأربعين لنادى القلم ) بين كلوب : Pen Club ( المنعقد في نيويورك بين 12 و 17 جانفى 1986 . وقد ضم حوالى 700 كاتب من قارات عديدة ) لا اعرف هل أن كتابا عربا شاركوا فى هذا المؤتمر ؟ ( وتناول بالبحث موضوعا مثيرا هو خيال الكاتب وخيال الدولة . وحضر هذا المؤتمر كتاب مشهورون اغلبهم غير معروف فى الساحة العربية ! الثقافية مع انهم محرزون على جوائز عالمية ومنهم الكاتب الفرنسي كلود سيمونSimon  Clude ) ( جائزة نوبل لسنة 1985 ( .

وبقطع النظر عن الهوامش المثيرة التى ابرزتها الصحافة فيما يتعلق بحضور وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية او المدير العام لمنظمة الينسكو فان الذي أريد ان اتعرض اليه فى هذه الافتتاحية بالتعليق والتوضيح هو تدخل الكاتب الفرنسي " كلود سيمون " فى هذا المؤتمر والعنوان الذي ارتضته جريدة " لابريس " التونسية لخبر من اخبار هذه الندوة ، عندما اختارت عبارة " الازمنة الصعبة .

عرفت مجلة " نوفل ابسرفاتور " ) 28-24 ) ( Novel Observeur جانفى  1986 ( الدولة عندما قدمت لتدخل صاحب جائزة نوبل بانها " احد الرؤوس السبعة للأفعوان الذي لا هم له إلا خنق كل تجديد " وهو تعريف لا ينطبق تماما مع ما أراده الكاتب في تدخله وإنما هو تجوز ارتضته المجلة لانه يتماشى مع اتجاهها المعروف .

يقول كلود سيمون ما معناه : عندما عرفت احد اغراض المؤتمر الداعية الى استجلاء الكيفية التى بها يظهر خيال الدول تعجبت من ذلك اذ انه باستثناء

عدد من الرعناء اصحاب المذاهب التوسعية مثل هتلر والخميني فان الذى تختص به الدولة بادىء ذى بدء ) كل سلطة مستمرة ( هو انعدام الخيال منها ووجود اخلاقية مرتكزة على غاية واحدة الا وهي الحرص على المحافظة على ثبات النظام القائم

ثم يقول : " اظن انه من الخطأ الفادح اعتبار الدولة أو السلطة السلط ( قوة ظالمة فكريا ديدنها التصدى تقريبا لكل القوي المقوضة او المتمردة بل إن الامر هو عكس ذلك إذ ان الدولة ) او السلطة ( تعكس بصوره امينه اذواق ورغبات الرأى العام الذى اقام هذه الدولة واقرها وقديما قالت العرب :كيفما تكونوا يول عليكم " .

وبعد ان يأتي بأمثلة تؤيد قوله يستخلص من ذلك ان الجماهير والدول المنبثقة عنها تجد انفسنا متفقة بصورة عفوية للادانة والاعراض عن كل ما من شانه تعكير صفو النظام القائم . ويجره هذا الى التسليم بأن صيغة السؤال يجب ان تكون كالاتى : " لا كيف يظهر خيال الدولة بل كيف يظهر خيال المجتمع ويتناول بالبحث نتيجة لهذا الممنوعات والمحظورات التى تفرضها المجتمعات ومع هذا فهى تجيز فى كثير من الاحيان ذوى الشذوذ الثقافي وتحتضنهم مثل حركتي " الدادائية " ) Dada والسريالية اللتين ظهرتا فى السنوات العشرين والثلاثين من هذا القرن

لم يستنكر كلود سيمون غرضا آخر من الاغراض المقترحة والوارد فى صيغة تكاد تكون بديهية وهو : اليس دور الكاتب أن ينتج تآليف تكون معارضه لكل ما تهواه الثقافة المحيطة به ؟ " ويقول : " ان هذه الجملة تذكرني باحد قادة النازيين الذي كان يقول : " عندما اسمع بكلمة ثقافة اخرج مسدسي ويضيف قائلا انه لا يمكن ان يتم شئ له قيمة إذا كان فى حالة معارضة أو ضدية ، وهنا اتفق مع جيل دولوز " ( Gilles Deleuze عندما يصرح بأن كل خطاب فيه ضدية إنما هو خطاب صفر بينهما يظهر وهذا من تبيل المقارفات - ان كل حركة فيها مقاومة للثقافة تندرج في اطاو الثقافة سواء كانت عن رضا او عدم رضا ويوضح فكرته مبينا ان الجماهير قد كفت تماما عن كل انتاج ثقافى واصبحت تستهلك ما يعد لها ولكن المجدد رغم هذا يبقى غارقا فى محيط ثقافى ) محيط المتاحف والمكتبات وغيرها ، والخطا

الفادح هو الميل الى التفكير في ان المجدد لم يكن له ابدا من غرض الا العمل فى اتجاه معارض لهذا المحيط . بل بالعكس فانه انطلاقا من هذا المحيط فتح كل واحد من المجددين طريقه .

هذه بعض العينات اوردتها من كلام هذا الكاتب الذي حاول ان ينقد بعض لمسلمات الشائعة اليوم والتي يتلقطها كشعارات للأسف الكثير من لمثقفين وخاصة من العالم الثالث يحاولون تطبيقها وهى فى أغلب الاحيان منبثقة عن مجتمعات قد عرفت من الاستقرار فى كنف دولها ما جعلها تتحجر وتتحنط وتأخذ قوالب من الجمود تحتاج الى تغيير ما بها . والغريب أن لفظة دولة فى العربية مشتقة من دال الامر أى انتقل بينما فى الفرنسية تدل على الحالة المستقرة . وهو ما يفرض علينا في بلدان العالم الثالث ان نبنى دولنا على الاستقرار أى على القانون والا نميل الى ما يوحى به لنا هؤلاء الذين لا يخشون على مجتمعاتهم شيئا نظرا الى صلابتها ويحثوننا على تغيير ما لم يثبت بعد وما لم يزل هشا لانه انبني على انساق تخضع الى البداوة أو القبلية او غيرها من الاشكال البعيدة عن كل مقوم من مقومات الدولة

واذا كانت البلدان التى رزحت طويلا تحت نير الظلامية أو الاستعمار لا تجد بينها من له القدرة على التجديد ثم سلطة التأثير فى المجتمع فمن بقى لها غير الدولة مصدر الخيال الوحيد وإلا اندثرت مجتمعاتنا وذهبت ريحها .

وليس من الغريب أن نجد ابا القاسم الشابي المجدد ينفي عن العرب الخيال الشعرى فى محاضرته المشهورة لانه اصطدم بحقيقة مرة تتمثل فى الجمود الذي كان يعمل على استمراره المثقفون آنذاك ونظام الحماية والملوكية البائدة .

ولهذا كان التجديد في تلك الفترة هو المحرك لكل الطاقات الشابة انذاك من رجال الفكر والادب والنقابيين والسياسيين وليس من باب الصدفة أن كان الحزب الذي قاد الثورة التجديدية بزعامة الحبيب بورقيبة سمى نفسه الحزب الجديد وآلي على نفسه عندما افتك مقاليد الامور بعد الاستقلال ان يكون ذا خيال خصب ، مجددا ، خلاقا .

إن الدولة فى تونس المستقلة لم تكن توسعية مثل غيرها من كثير من الدول المستقلة حديثا ، ولم تعمل على ابقاء ما كان على ما كان بل إن الذي تم فى تونس منذ ثلاثين سنة لتجديد الطاقات البشرية بالتعليم والثقافة والتوعية

يدل على خيال خلاق قل ان حدث مثله فى دول العالم الثالث ) ٥ ( . وهو ما جعلني احبذ العنوان الذي وضعته جريدة " لابريس " ابرازا لهذا الزمن الصعب الذي اختلطت فيه الامور حتى على الكتاب الافذاذ وراحوا يخبطون فى متاهات لو ضلوا فيها وحدهم لكان وزرهم عليهم ولكن هم يجرون غيرهم من البشر الى ما لا تحمد عقباه وخاصة فى بلدان العالم الثالث : رجالا ونساء ( وليس تحرير المرأة إلا دليلا آخر على ذلك (

والدولة في تونس ليست طبقة معينة بل هي كل فئات الشعب والتي خرج الكثير منها من عدم وأمن بالتجديد والخلق والابتكار فلا يمر يوم من دون ان يظهر ذلك فى هذه المبادرات المتعددة الجوانب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا .

وقد عمدت الى ذكر المجالس الجهوية للثقافة فى عنوان الافتتاحية لأدلل على ان الدولة التونسية ليست تلك التى عناها بعض الذين ائتمروا في نيورك بل هي تلك التى تعطى للمواطنين حرية المبادرة والتصرف اذ أن وجود اغلب الممثلين عن الطاقات الحية فى الجهة فى هذه المجالس ليخططوا العمل الثقافي فى حرية تامة ويقدموا الاقتراحات ويتابعوا تنفيذ البرامج لا يدل على ان هذه الدولة " رأس من رؤوس افعوان يخنق كل تجديد "

والخوف كل الخوف من اولائك المثقفين الذين قد اعرضوا عن كل روح تجديديه وخلوا من كل خيال وراحوا يجذبون المجتمع الى عصور الظلام والرجعية او الى الانساق المذهبية المحنطة وهم في كل ذلك لا يتصورون الفصل الا كرد فعل ولا يرون الخطاب مجديا الا اذا اتسم بالضدية وهم في الواقع كما قال " دلوز " خطاب صفر .

اشترك في نشرتنا البريدية