لئن كانت إحدى المهازل المحزنة فى عصرنا هذا انبعاث دولة ثيوقراطية - بدون إله على أساس عنصرى ، عرقي ، يعتمد تغذية الجوهر اليهودى وإعلائه ، فى وقت تعالت فيه صرخات الضمير الإنساني في كل مكان ، محتجة على الفاشية والنازية اللتين قامتا ردحًا من الزمن على قاعدة المفاضلة بين الأجناس واستعمال الظلم والإبادة وسيلة لبلوغ غايتهما ، فكان من بين ضحاياهما ملايين من اليهود أنفسهم ، فإن " مظلمة القرن العشرين " تتمثل فى انتصاب هذا " الكيان " فى قلب فلسطين العربية بالذات بعد تشتيت أهلها بالحديد والنار والإرهاب وإحلال شتات من اليهود محلهم ، والنزوع إلى التوسع الإقليمي بدعوى استرجاع أرض الميعاد.
إنها الصهيونية لا يزال سرطانها يسري فى جسم الأمة العربية والشعب الفلسطيني خاصة ، منذ أن تصورها اليهودي الروسي ناثان ييرنبوم سنة 1893 ، ثم يلورها هرتزل وحدد أهدافها وخطط لها ضمن كتابه " الدولة اليهودية " في أوائل هذا القرن . . . حتى أصبحت اليوم واقعًا مفروضًا وكابوسًا جاثمًا يهدد أبناء البلاد بالعدم ، والشرق الأوسط بالفاشية والاستعباد ، رغم استنكار الضمير العالمي وأبسط ما يقتضيه احترام المواثيق الدولية .
وليس في نيتنا في هذا المقام - الإغراق في التحليلات السياسية أو الهيام في أروقة الدبلوماسية ، ولا - من باب أولى وأحرى - المساهمة في تعاظم الاحتجاج اللفظي حتى تشتد نبرته ، فالصهاينة ختم على قلوبهم وأصبح فى آذانهم وقر ، وليس لهم سوى منطق الخداع والقوة . . إنما من واجبنا أن ننظر الى القضية الفلسطينية من وجهة حضارية وثقافية وإنسانية وأن نضع المشكل في مستوى الوجود - أو اللاوجود - الفلسطيني ، ونتعرف الى حقيقة هذا الشعب المشرد المغبون ، ونسعى الى إبراز مقوماته الأساسية والدفاع عن شخصيته الأصيلة ، لا فقط لما يربطنا وإياه من وشائج القربى الروحية والوجدانية ووحدة المصير ، بل كذلك تمسكًا بأقدس ما تفرضه حرمة الإنسان
من حيث هو إنسان ، ووفاءً لما تقتضيه البشرية المتمدنة من احترام حق كل شعب من شعوبها في الحياة والحرية ، وصيانته من داء العنصرية وآفة الاستعمار .
وإن أكبر سلاح نملكه - نحن المثقفين - إنما هو الحقيقة ! فلنفضح الجوهر الصهيونى أمام الرأي العام ولنكشف عن سوءاته ولنبرز مغالطاته وبهتانه عندما يحاول التظاهر بمظهر القوم المضطهدين ويدعي إقامة نظام اشتراكي عادل وإحياء أرض موات . . . ثم لنعبر ، بكل ما في الحرف من طاقة تحويلية للواقع ، عن كثافة الحضارة الفلسطينية ، ولنعقلن مفهوم الثورة الفلسطينية ولنساهم في تجذير شخصيتها وإبراز خصائصها وإظهارها في مظهرها الإنساني النبيل ، مغامرة من أجل الكيان وتحرير الإنسان وشمولا لحركة القوى الطلائعية العالمية في تحديها للعنصرية والإمبريالية ، وبذلك نتقحم على الصهيونية في أعز معاقلها أى الرأي العام العالمي والضمير الدولي .
ومن الصدق أن نقول إن تبعة هذا العمل تقع أولاً وبالذات على الفلسطينيين أنفسهم . كفاهم وصاية ونصحًا وإرشادًا ! إنهم أولى بالجهاد الذي أقبلوا عليه من غيرهم وأجدر من يفرض وجوده بالعنف ، لأن الثورة عنف كالمخاض كالحياة في صراعها مع العدم ، مع العبث ، وإن الأدباء الفلسطينيين مسؤولون قبل غيرهم على بث الوعي القومي وتعميقه وإقامته على افتقاد الأرض والحنين الظامئ إلى الوطن السليب ، ومرافقة هذا الوعي برؤية نظام اجتماعى واقتصادي ذي أبعاد مستقبلية سخية ، وهم مطالَبون أيضًا بالشهادة على عزيمة الشعب الفلسطيني في الحياة وعلى الموت من أجل الحياة .
والحقيقة أن الأديب الفلسطيني أخذ يضطلع بهذا الواجب منذ حرب الأيام الستة بالخصوص ، كما تحمل الشباب الفلسطيني مسؤوليته منذ 1967 في ساحات الوغى ، وأصبح لدينا اليوم أدب " حزيراني " فحل يعبر عن عزيمة فولاذية ذات أبعاد مصيرية ، ويعكس معاناة قاسية ولكنها غير " سيزيفية " - كما ذهب البعض إلى ذلك - ، إذ الهزائم والنكسات ومظالم ذوي القربى . . تحمل في طياتها بذور المستقبل بالنسبة لمن أرادوا الحياة ، ولأن الثورة المقدسة تلسع وجدان الأديب وتلهمه وتبرز ملكات الإبداع فيه وتكشف عن ذاته فإذا به يُنتج أدبًا ذا مجالات إنسانية يمهد إلى حركية تاريخية جديدة منطلقها الأمل ومآلها الفعل .

