انه ليوم أغر هذا الذي نفتح فيه على بركة الله مؤتمر الأدباء العرب التاسع ؛ وإنه لمن حسن طالع هذا اليوم ويمن بهجته أن يتفضل قائد هذه الأمة فيشرف فيه بنفسه على مؤتمرنا هذا ، ويبرز بذلك - مرة اخرى - مدى تقديره لرجال الفكر والأدب ، وشديد حرصه على الرفع من مستوى رسالة الأديب ؛ وانه إذ يطيب لي ان اشكر لكم ، سيدى الرئيس ، باسمى الخاص وباسم كافة الأدباء العرب الحاضرين هنا ، هذه اللفتة الكريمة وهذا التشجيع الصادق الذي ما فتئتم تغدقونه على الشعراء والكتاب ورجال الفكر ، ليسعدنى أن أرحب بضيوفنا الكرام الميامين فى وطنهم الثاني تونس الخضراء ، ارض اللقاءات والمحبة ، وان أتوجه إليهم بتحية مخضلة العبير ، فواحة الأريج تعبق باجمل ما نكنه لهم فى نفوسنا من خالص الود وصادق التعبير .
وعسى أن يتيح هذا الملتقي الفرصة لكافة الأدباء العرب ليتعرفوا على نهضة تونس ومدى ما تشارك به من جهود فى خدمة الثقافة العربية والرفع من شأن الانسان ، بعد ان توج جهادها الطويل بالفوز المبين إثر كفاح تحريرى مرير دام الطور الحاسم منه ما يزيد عن ربع قرن واستشهد فى سبيله آلاف التونسيين البررة .
وان من أبعاد هذا النضال الذي اضطلع به الحزب الاشتراكي الدستورى وقاده الزعيم الحبيب بورقيبة انه فرض ارادة هذا الشعب العربى المسلم الذي انشد شاعره أبو القاسم الشابي منذ حوالى خمسين سنة :
اذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد للليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر
فاستجاب القدر ونجونا من الفرنسة والمسخ والذوبان التى كانت سياسة نظام الحماية المفروضة بالحديد والنار تسخر من أجلها قواها المادية والبشرية.
على أن النضال لم ينته بالحصول على الاستقلال والفوز بالسيادة وتحقيق
الجلاء العسكري ثم الجلاء الزراعي بل إن معركة البناء والتشييد وإقامة نظام اجتماعي حر وعادل لا تقل خطورة ولا صعوبة ، لأن العدو كامن فينا نابع من تخلفنا الحضاري .
وإذا نحن افردنا القول فى الجانب الثقافي من هذا النضال قلنا إننا حريصون على إقامة صرح ثقافتنا على أسس ذاتية قومية سالمة من مستعار النماذج ودخيل الأنماط والأساليب ، وذاتية قومية سالمة بالخصوص من التحجر والتقليد واجترار الماضي المحنط ، فمن الوفاء ما يكون نضوب حياة واختناقا ، ومن أشنع صيغ الاحتماء من ملابسة الغير بدعوى اتقاء شره ما يكون معناه ونتيجته إمساك الظمآن عن الماء . بل إن مطمحنا تحديد ثقافتنا كأحيا ما يكون التحديد وأصدق وأخصب ، بحيث لا تبقى جاثمة فى موقف الاستهلاك السلبى والاستجداء المشين ، بل تفرض نفسها وترد الفعل ويكون لها من الطرافة والإنفساح والتدفق ما يبوئها مكانة مرموقة فى عالم يقتضى الصحو الفكرى وبتجه نحو التحاضن الثقافي ، وأصبح المثل الأعلى في كافة ارجائه امتلاء الانسان بالذات الانسانية . بذلك نلتحق بالركب ونساهم فى خلق المصير الانساني وبذلك نعرف لمنزلتنا قدرها فى كيان هذا الكون.
وليس بلوغ هذه المقاصد البعيدة بالتمنى وانتظار المعجزات ، بل بوضع خطة تربوية وثقافية شاهلة ، وطويلة المدى ، لخلق عقلية تعتمد الروح العلمية والتفكير الموضوعي لفهم الحقائق والالمام بنواميس الأشياء قصد التأثير فيها والملاءمة بينها وبين مطامحنا فى الحياة ، وهذا يقتضى عقيدة دافعة وثقة فى النفس راسخة إذ الأفكار والمبادئ التى عاشت وغيرت مجرى التاريخ إنما استمدت حياتها وحيويتها وطول نفسها من قلب إنسان كبير وتغذت من طاقة مناضل صامد .
على أن الدرب طويل وشائك ، إذ نحن لا نزال فى العالم العربى نعانى رواسب قرون الانحطاط وعهود الاستعمار ولا نزال نتجرع غصص الهزائر ونقاسي مرارة التأزم والقلق والتيه والصهيونية تتحدانا وتمعن فى النيل من معنوياتنا وتشكيكنا في أنفسنا ومستقبلنا .
ويحسن ان نكون صادقين متشجعين عند تحليل الواقع إذ لا دواء بدون تشخيص للداء . فقد كنا منذ سنوات قليلة نستعيض عن واقعنا المر بالخيال والخرافة ، ونتسابق فى مؤتمراتنا إلى الحماسة كاننا نافرون إلى غزو المريخ أو قاصدون ساحات الوغي ؛ وفعلا سجلنا انتصارات باهرة في استديوهات الاذاعة
وأبدنا أعداءنا على شاشة التلفزة ! ثم رجنا الواقع رجا فصحونا من غيبوبتنا فكانت الصدمة وحل الانكسار والفشل وكاد أن يعم اليأس .
ولكن الإنسان العربي ينهزم ولا ينسحق ، ويكبو ولا ينبطح ، بل يستلهم من ذاته التاريخية العريقة وإرادته الفولاذية فى الحياة ما يقوى به على النظر الصحيح للواقع ويوفق بفضله الى تبين طريق الشرف والنضال والصمود والمساهمة الإيجابية فى مغامرة الانسان يقرر مصيره فى هذا الربع الاخير من القرن العشرين
وان الأدب العربي في السنوات الأخيرة إذ يعكس هذه المتناقضات ويعبر عن تلك الحيرة ، يحمل تباشير وعي جديد ونظرة حصيفة وموقف مسؤول .
وإنما يتجلى ذلك بالخصوص فى الانتاج الأدبي المستلهم من الثورة الفلسطينية المباركة الذي اغتنم هذه المناسبة للتوجه إلى كافة أبطالها بالتحية الصادقة والتقدير الكبير ، إذ هي لا تحمل فقط آمال الشعب الفلسطيني في استرجاع أرضه المغتصبة وتشييد كيانه بل تبلور آمال الأمة العربية قاطبة فى التخلص من الظلم والتبعية والاستغلال وتستجيب الى مطامح الانسانية فى القضاء على العنصرية والاستعمار ، وتوفير اسباب السلم والتأخى بين كافة البشر .
وفي هذه المرحلة المصيرية التى تجتازها الشعوب العربية نعتبر أن للأديب دورا حاسما فى كسب الرهان . وأرجو أن تتضافر جهودنا جميعا للنهوض بما يحملنا التاريخ من تبعات وما تعلقه علينا أمتنا من آمال .
ويقيني اننا سائرون في الدرب الموصل وان شعورنا بالمسؤولية سيعيننا على تجاوز الجزئيات والهامشيات والأعراض بل يحملنا على النفاذ إلى الجوهر والتمسك بالصدق فى القول والاخلاص فى العمل .
والله أسأل أن يلهمنا الى الواجب ويمدنا بالقوة على الاضطلاع به وعسى أن يكون هذا المؤتمر عامل تقارب وتآخ وان تكونوا معتزين بوجودكم فى وطنكم الثاني تونس التى تتشرف اليوم بلقائكم وترجو لكم إقامة طيبة وعملا صالحا .
