الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، حول البحث العلمي

Share

هذه المسألة هامة جدا لأن بها يرتبط مستقبل الشعوب والمجتمعات وعليها ترتكز جل جهود الدول العاملة على أن تبقى لها كلمتها فى مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . اذ البحث العلمى يعتمد أساسا على جملة ما يكتشف من المعارف الجديدة وهى بدورها تمكن من استحداث التقنيات أى هذه الوسائل التى بها يغير الانسان محيطه .

واذا كانت قوة الدول تقاس قبل سنة 1945  بقدرتها الصناعية والتقنية فان عاملا جديدا فعالا برز للعيان وهى طاقة الدول علميا ومدى ربطها بين البحث العلمى البحت وتطبيقه وانتاج الوسائل التقنية الجديدة وتوفير جميع الظروف لاقامة صناعة تعتمد على الاكتشافات والتطلعات الجديدة والسعى دائما الى استنباط النظرية وإتباعها بالتطبيق فى وجوهه العديدة .

وبهذه الصورة تم الربط بين البحث والتنمية واعتبارات التحكم فى العلم انما هى جزء من عملية الحكم . ولهذا نجد ان الدول الكبرى القادرة على تغيير سير أمور الدنيا انما هى تلك التى قدرت على ايجاد الروابط المتينة والعملية بين الجامعيين والصناعيين والاقتصاديين وهى التى أمكن لها بالتالى أن تقيم الجسور بين الجامعة والصناعة والحكومة . و ضمنت بهذه الصورة مشاركة الباحثين فى تصور واستنباط السياسة فى أنبل معانيها وجعلت منهم المستشارين والاداريين والدبلماسيين وواضعى الخطط الاستراتيجية .

ولقد تبينت فى زبارتى للولايات المتحدة الامريكية أن البحث العلمى هو أساس قوة هذه الدولة وأن تداخلا كبيرا موجود بين ما تقوم به الجامعات وأكبر الشركات الصناعية وأن هذا يقتضى أن يبدأ البحث العلمى فى مستوى الطلبة وأن الاساتذة لا يلقنون علوما نظرية بحتا بل يشركون الطلبة فى

بحوثهم فيكون تعلمهم خلاقا يدفعهم الى الاعتماد على أنفسهم والى تنمية ملكة الخلق والاستنباط فيهم . وهو ما يجعل المؤسسات الجامعية تحرص على أن يكون مستوى البرامج رفيعا وقيمة الاساتذة لا يشك فيها .

وظهر لى ان العنصر الاساسى لضمان هذا المستوى هو البحث دائما كما يقولون على ايجاد جيل جديد من الادمغة الالكترونية وجعل الآلات قادرة على تصور مفاهيم جديدة صعبة المنال واعطاء نفس جديد فى مجال التجارب المخبرية وتنمية الخبرات فى كل المعارف الى حد تشجيع كل أنواع الحدس الذى يؤدى فى البدء الى نتيجة ملموسة ويشمل هذا الاتجاه كل أنواع المعارف بما فيه الهندسة المعمارية والانسانيات والعلوم الاجتماعية وعلم تقنية ادارة المؤسسة والتصرف فى شؤونها وغاية كل ذلك هو اعداد أجيال مستعدة للاستجابة الى ما يتطلبه عالم الصناعات والتجارة والانصهار فى المجتمع بما يزخر به من طاقات .

وإن ما تتطلبه معاهد البحث العلمى من تمسك بعدة صفات هو الكفيل بنجاحها اذ يقتضى فى ذلك الحرص على المستوى واستنباط البرامج الطموحة فى مجال الفنون والانسانيات وتربية الطلبة على أن يصبحوا أفذاذا فى مجال عملهم ومواطنين صالحين بالنسبة للانسانية قاطبة والربط بين التعليم والبحث بصفته نشاطا اضافيا يكمل بعضهما بعضا .

والغاية القصوى التى ترنو اليها المعاهد هى أن تكون البرامج على درجة عليا من المستوى فى التعليم والبحث متجهة اتجاها بارزا نحو المصالح العمومية وممكنة الاساتذة والطلبة والاعوان من مجالات مختلفة فى عالم الآراء والافكار ووجهات النظر لا تترك جهة لا تعتنى بها ولا صنفا من الناس لا تهتم به نساء ورجالا شبابا وكهولا وشيوخا .

وفى كلمة واحدة فان هذه المعاهد هى كما قال رئيس مؤسسة كبرى للتعليم والبحث بمثابة جانوس فى الميثولوجيا له وجهان وجه ينظر الى الداخل اى الى كل ما يتعلق بالطلبة والاساتذة والاعوان والوجه الآخر ينظر الى الخارج أى الى كل ما يرتبط بالاشعاع الفكرى والعلمى .

وهكذا نرى أن كل هذه المعاهد انما غايتها القصوى أن يكون عملها يؤدى حتما الى الانصهار فى المجتمع وافادته ودفعه الى الامام وحل مشاكله مهما كانت صعوبتها وتمكين كل الفئات من الاستفادة بما يتفاعل من آراء وأفكار فى هذه المعاهد .

ويتضح بهذه الصورة عندما نريد أن نتحدث عن عالمنا الثالث . أن مشكله الاساس هو القطيعة بين معاهد التعليم والمحيط اذا نحن لم نتحدث عن بوادر البحث الموجودة فى الجامعات والمعاهد العليا . اذ أن مجتماتنا لا تستفيد الا بالقدر القليل نظرا الى التفاوت وعدم التلاؤم بين ما يتطلبه المجتمع من مشاريع جديدة وتطعات مؤاتية موجود وبين ما يلقن فى المدارس والمعاهد .

ويمكن أن نلقي أسئلة عديدة تتصل بالمشاكل التى تتخبط فيها مجتمعاتنا ولا نجد لها الجواب الذى يهيأ فى معاهد التعليم والبحث ويربى عليه التلامذة والطلبة ويمكن أن يكون له تأثير فعال فى حمل العقول على الفهم والاسهام فى البناء والخلق .

والقطيعة موجودة بصورتين اثنتين اما بما ذكرت من عدم التلاؤم والترابط أو في صورة اهتمام معاهد التعليم والبحث بمشاكل المجتمع وايجاد الحلول لها فأن هياكل المجتمع لا تستفيد ولا تلتفت الى ما استنبطه الباحثون واستجلوا حقائقه ومبهماته .

واذا كانت مجتمعات العالم الثالث فى حاجة أكيدة الى البحث العلمى للنهوض بالصناعات والتقنيات فانها فى مجال الانسانيات والعلوم الاجتماعية والسياسة أشد حاجة لان التقدم العلمى وانتشار التعليم لم يمنعها من التمسك برواسب الماضى مداومة التلبس بالسلوك الذى لا ينم لا عن تقدم علمى ولا عن شعور حاد بالمسؤولية وجد قوامه الاخلاق الرفيعة والاتصاف بروح المواطنة والتضامن .

وهذه السلبيات تحتاج الى التحليل والبيان والى وصف للادوية بتظافر جهود فئات المجتمع ووسائل الاعلام والثقافة حتى يتم تقويم المعوج وتثبيت سلم القيم وبذلك يبقى المجتمع سليما يقول للمحسن : أحسنت ، وللمسىء : أسأت . ويخول للقادرين الاكفاء أن يكونوا في مكانهم في قمة المجتمع وللقاصرين الذين تقمصوا الرداءة والوصولية فى مستوى قصورهم ورداءتهم . فلماذا مثلا نجد بلدان العالم الثالث التى بادرت بتشريع الدساتير وسن القوانين لا تتحرج من مخالفتها والقضاء على ما شرعت وسنت باحلال الحكم المطلق محل الشرعية الدستورية ؟ ولماذا تجد دائما فى هذه البلدان الى جانب السلطة الشرعية نفوذا قويا موازيا مطلقا لا يقدر على محاسبته أحد يحقر من العمل الشرعى ويقوض أركانه ويشيع الاقاويل فى رجال الدولة ويحصى سقطاتهم ويخفى محاسنهم حتى تختلط القيم عند الشباب وعامة الشعب فيصبحون غير مستعدين

للاعتزاز برجالاتهم وامجادهم وعند ذلك يصير المجتمع كالورقة فى مهب الرياح لا يصمد أمام العواصف وهى كثيرة ويبقى دائما عرضة للاهوال لا يستقر له قرار حتى يسقط السقف على الجميع كما عرفناه فى عدة حضارات قديمة ؟

ولماذا لا تميل هذه المجتمعات فى حالات أخرى الى الاعتزاز برجالاتها وأمجادها بل هى تنكر عليهم كل شئ وهذا نراه حتى ضمن الفئة الواحدة والجهة والطبقة وحتى فى صلب حزب بذاته ؟

ولماذا لا تحرص هذه المجتمعات على لغاتها ولا تعتز وتنهض بها وتشيع آثارها وتكرم نبغاءها لا فى المناسبات بل يوميا وتلقائيا وتعترف لهم بخدماتهم حتى يعتز بذلك الشباب ويكون له من الامل والتوق ما يجعله يطمح الى خدمة المجتمع والرقي به ؟

ولماذا نجد المناوئين للحكم القائم ليس لهم من عمل الا احصاء الغلطات والانطلاق دائما من ردة الفعل لا من الفكرة البناءة والبرنامج السياسى المتكامل بل من الغيظ الكامن والشعور بالحقد .

ولماذا يجد فى البلدان المتخلفة الصديق من صديقه والاخ من أخيه العنت والعذاب مما لا يجده العدو مع عدوه والغريم مع غريمه وخاصة اذا كان الواحد منهما أكثر جاها أو مالا أو نفوذا ؟

ولماذا ؟ ولماذا ؟ ولماذا ؟ أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح وليس من علاج لها الا الانكباب عليها بحثا وتنقيبا واستنباطا للطرق التى تزول بها سواء فى برامج التعليم أو التثقيف أو الاعلام .

ان أوكد الاعمال فى مجتمعات العالم الثالث هو ان تنحو فى البحث العلمى نحوا لا يقتصر على التقنية والتكنلوجيا وهما لا محالة قوام المجتمعات العصرية بل يتجاوز ذلك الى مداواة هذه العلل مداواة ناجعة والا فان هذه المجتمعات مهما تقدمت صناعيا وتجاريا فانها تنهار اذا هى لم تعالج العقليات والسلوك والاخلاق ولم تنبت فى الاذهان حب الخير والتآلف ولم تبذر بذرة الخلق والابداع والبناء فى العقول والنفوس .

اشترك في نشرتنا البريدية