انعقد بتونس من 26 الى 28 نوفمبر 1985 مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية فى الوطن العربى للنظر فى الموضوع الرئيسى للمؤتمر الا وهو الخطة الشاملة للثقافة العربية ( الواقع والمستقبل ) .
واذا كان هذا المؤتمر يعد عاديا لانه انتظم فى الوقت المضروب له لمعالجة قضايا الثقافة فى الوطن العربى اذ أن وزراء الثقافة العرب يجتمعون للمرة الخامسة فانه يكتسى فى دورته هذه أهمية كبيرة لانه انكب على موضوع هام يتعلق باستراتيجية الثقافة العربية .
ولكن التوصيات لم تشمل النظر فى الخطة بل هى تناولت عدة مواضيع لا بد من استعراضها لاهميتها حتى يطلع عليها القارئ الكريم ويتعرف الى هذا الجانب من النشاط الذى يعظم من يوم الى آخر ويصبح له تأثيره البالغ فى حياة البشر .
فلقد نظر المؤتمر فى الموقف التنفيذى لقرارات الدورة السابقة واستعرض وناقش وصادق على التوصيات المتعلقة بالتراث الحضارى والآثار وبالمسرح العربى والفنون التشكيلية وثقافة الطفل العربى وتنمية الثقافة العربية الاسلامية فى الخارج . ثم تطرق الى النظر فى الموضوعات الثقافية الخاصة بالمشروعات الكبرى مثل الموسوعة العربية والمركز العربى للتعريب والترجمة 3 355
والنشر والمعهد العربى للترجمة وعلاقة المنظمة بالقمر الصناعى ولجنة الالكسو لقضايا الاتصال فى الوطن العربى ومجابهة الغزو الثقافى الصهيونى للثقافة العربية والمكتبة القومية المركزية والعلاقة مع المنظمات والهيئات الدولية العاملة فى الميدان الثقافى .
ثم بت المؤتمر فى دراسات التقويم والجدوى المتعلقة بالانشطة الخاصة بالاحتفال باستقبال القرن الخامس عشر الهجرى ومتحف الحضارة العربية بطليطلة وصيانة المدن التاريخية العربية الاسلامية والمركز العربى للابداعات والبحوث المسرحية .
وجاء دور النظر فى التشريعات الثقافية المتعلقة بالقانون النموذجى لحماية المخطوطات العربية ومشروع الاتفاقية العربية لتسيير الانتاج الثقافى ومقترحات حول أساليب رعاية المبدعين ماديا وأدبيا والاتفاقية العربية لحماية حقوق المؤلف .
وبديهى أن مجرد استعراض هذه المواضيع التى تطلبت اجتماعات عديدة ومشاورات متواصلة بين المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والدول العربية ينم عن حجم ما تقوم به هذه المنظمة من عمل كبير فى سبيل اشاعة الثقافة العربية وتنظيم هياكلها والتقدم بها فى سبيل بناء مجتمع أفضل .
وإن بلورة هذه المواضيع والبحث عن طرق تنفيذها والسهر على ابلاغها الى المواطن كل هذا يعد جهدا كبيرا يجب أن نعترف بضخامته وبجدواه لان فى ابراز هذه القضايا والسعى الى تطبيق ما يمكن تطبيقه من القرارات والمشاريع هو فى حد ذاته خدمة للثقافة وحرص على جعلها تتبوأ المكانة اللائقة بها مع سائر أصناف نشاط البشر واخراجها من النزوع الى تهميشها واعتبارها مجرد ترف الى حيز الواقع المعيش المتفاعل مع الجوانب الاخرى الضرورية للحياة الملتصقة لصوقا متينا بمقتضيات الوجود .
وإن هذا الذى قامت به المنظمة وتقوم به منذ سنوات إنما هو جهد موفق ما فى ذلك شك بعمل دائب يشرف عليه الدكتور محيي الدين صابر ونخبة 356 4
المثقفين العرب نذكر منهم خاصة الدكتور محمد يوسف نجم المفرد العام للمؤتمر ورئيس اللجنة الدائمة للثقافة العربية ولكن المنظمة ليست وحدها المعنية بالتنفيذ بل ان الدول فى الاقطار العربية هى التى من واجبها العمل على ذلك والمضي قدما فى سبيل الخروج بهذه القرارات والتوصيات من حيز القوة الى الفعل .
ولهذا فان عمل المنظمة بالنسبة الى ما ذكرته وكذلك فيما يتعلق بالخطة الشاملة انما هو عمل جليل . وفكرة الخطة الشاملة تراءت للمنظمة وكلفت بوضعها لجنة يرأسها الدكتور عبد العزيز حسين . وهى مهمة ثقيلة اذ هى مدعوة الى تحمل مسؤولية عظيمة أمام الاجيال العربية المقبلة متمثلة فى " تحديد المنظور المستقبل العربى والرؤية الواضحة لنوع الانسان الذى نريد وشكل المجتمع الذى نبنى وبناء نظرية ثقافية متكاملة على أساس ذلك لتكون الاطار المرجعى للسياسات الثقافية العربية فى تنوعاتها القطرية وضمن تحديات الغد الثقافى ومتغيراته " .
وهذا وحده لا يكفى لان مقتضيات أخرى تدعو الى المرونة والى رفع التحديات واندخول فى عصر التكنولوجيا والاعلامية واعتبار أن الثقافة أمر متحول منغير كتطور المجتمعات وتعاقب الاجيال فى تبدلها وعدم تماثلها . وقد تضمنت هذه الدراسة الشمولية أربعة أقسام هى :
1) المبادئ النظرية والاسس الموجهة للخطة الثقافة المنشودة وفيها فلسفة الخطة وروحها الفكرى ومبادئها العامة .
2) مجموعة التوصيات التى قدمها رجال الفكر والثقافة فى مختلف المجالات خلال الندوات الثمانى والعشرين التى دعت اليها اللجنة وهى توصيات " مرنة متنوعة تسمح باقامة البرامج الثقافية على أساسها " .
3) خلاصة الاستيبان الثقافى الذى أجرته اللجنة فى مختلف البلاد العربية بمعونة عدد من الرسميين والاختصاصيين للتعرف على واقع الثقافة القائم .
4) جميع البحوث التى قدمها أهل الإختصاص والفكر الى اللجنة فى مجالات الثقافة وفيها أفكارهم بخصوصها ومقترحاتهم للعمل .
هذا التقسيم الذى ذكره الدكتور عبد العزيز حسين هو الذى ظهرت به الخطة فيما يقارب المائتين والعشرين صفحة وضمت هذه الاقسام حصيلة ضخمة من الآراء والافكار والمعلومات يستفيد منها القارىء ما فى ذلك شك وهى لا محالة منطلق لا بد منه لتوضيح ما يجب أن تقوم عليه السياسات الثقافية فى كل قطر وركيزة أساسية لكل البرامج التنفيذية التى ستوصى بها المنظمة فيما بعد .
ولهذا فان المنظمة قامت بواجبها الاولي وهى مدعوة الى توخى المرحلية والتوصية بالاولويات ولكن يبقى موكولا الى الحكومات تنفيذها وهو ما دعا الإستاذ محمد مزالى الوزير الاول الى الدعوة الى عقد قمة عربية ثقافية لان الامر لا يتوقف على الدراسات والموافقة على التوصيات بل إن أمر الثقافة فى الوطن العربى موكول فى الواقع الى الارادة السياسية المتحكمة فى كل الجوانب المتعلقة بازدهار الثقافة وتواصلها بين الاقطار والراجعة الى ميادين عديدة اقتصادية ومالية وسياسية بحتة .
وإن مجرد الاهتمام بالثقافة من قبل الرؤساء والملوك العرب وعقد اجتماع بينهم هو حدث كبير ولو لم يؤد الى نتائج كبيرة اذ هو سيفتح أعين الرؤساء والملوك الى هذا العنصر الذى أصبح يشكل أهمية كبرى فى تطور المجتمعات وتقدمها وسيعرفهم أن الحكم مهما كان لا يستقر له قرار ولا يقطف الناس ثماره الطيبة الا اذا بني على رؤية ثقافية لا تقول بالعصمة ولا باحتكار الحقيقة ولا بالزام الغير بأحقيتها وإنما الرؤية الثقافية الحق هى التى يتفق حولها الجميع تفاعلا وتكاملا مع ابعادها المتنوعة وخصوصياتها المتعددة .
يا حبذا لو يعمل الجميع فى سبيل تهيئة هذه القمة الثقافية متوخين ترك كل تشاؤم ساعين الى ازالة الحدود الثقافية شيئا فشيئا اذ هى المنطلق لكل ازدهار حقيقى للثقافة فى الوطن العربى وأساس فرض وجودنا الثقافى فى العالم تعاونا وتكاملا .
