الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، حول عقدة * العرجون *

Share

في يوم 16 أفريل 1985 اشرف الاستاذ محمد مزالى بقصر المؤتمرات بتونس على حفل تم فيه تكريم ثلة من رجال الثقافة الذين تألقوا فى سنة 1984 بانتاجهم ولقوا من الحظوة لدى الجمهور ما جعلهم يستحقون التكريم والتبجيل . وقد ضم هذا الحفل المتحصلين فى هذه السنة على الجوائز التقديرية - وهى جوائز تمنحها وزارة الشؤون الثقافية لأول مرة فى عدة ميادين ثقافية - وكذلك من دأبت هذه الوزارة منذ سنوات على اجازتهم فى نطاق التشجيع على النشر . وبهذه الصورة يكون المبرزون فى هذه السنة ما يقرب من ثلاثين مثقفا وهو عدد هام جدا بالنسبة الى جملة المنتجين فى حقول الثقافة فى بلادنا . وعلاوة على هذا فان تكريم ثلة أخرى ممن عينوا فى خطة مستشارى الشؤون الثقافية يعد أيضا ضربا من الاجازة اذ اريد بهذه الخطة تمكين عدد من المثقفين الذين ضحوا فى سبيل الثقافة منذ نشاتهم من أن تكون لهم ما يمكنهم من العيش الكريم الى آخر حياتهم ومن الاستمرار فى الانتاج وخدمة الثقافة بدون عناء ولا عنت .

ثم ان هذه اللفتة من الحكومة الى الخلاقين والمبدعين ليست هى الوحيدة بل ان كثيرا من الهيئات والجمعيات والبلديات لم تنفك تحدث الجوائز وتكرم البارزين من المثقفين فى عدة مناسبات علاوة على ما وجده هؤلاء من فرص الخلق والابداع نتيجة احداث صندوق التنمية الثقافية الذى حرك ميدان النشر

وسمح للمؤلفين بالاقبال بانفسهم على طباعة تآليفهم كما فتح افاقا لكثير من دور النشر التى كانت على وشك الافلاس ومكن المسرحيين والموسيقيين والفنانين التشكيليين والسنمائيين من الامل فى ابراز انتاجهم وترويجه بأيسر السبل .

وهكذا فانه ليس فى الامكان اليوم - وقد نفقت فى تونس سوق الكتاب وأقبل الفنان على الانتاج بأمل وجد ولاقى المثقفون التبجيل والتكريم - ان يتمادى البعض لأسباب يجب التعمق فيها والكشف عنها ، فى ترديد اغنية " العنقود " او " العرجون " وفي بكاء حظ الاديب او الفنان العاثر وفى لولا مقولة عدم التشجيع .

وإنه لا بد من تفريك عقدة (( العرجون )) أو (( العنقود )) والاحاطة بهذا الموضوع حتى لا يبقى الالتباس مجالا للتمادى فى بذر الشكوك والأوهام فى نفوس الجماهير وخاصة الشباب والطلبة وحتى لا تبتلى بهذه الآفة التى أصبحت رائجة اليوم وتعد من باب العلم (( العلم ))  (( المنهجية العلمية )) وهى التشبت ببعض (( المقولات )) أو (( الايديلوجيات )) الخارجة عن السياق التاريخى أو (( المناخ البيئوي )) أو الجغرافيا التى تلصق الانسان بالارض التى يضع عليها ارجله والسماء التى ينظر اليها بأعين مجردة من كل نظرة مشوهة للواقع .

إن اغنية (( العنقود )) هذه أو (( العرجون )) هى تلك التى اختطفها بعض الباحثين أو النقاد من فقيد الأدب علي الدوعاجي الفنان بحق الذى قال فى هذا الباب :

(( عاش يتمنى فى عنبه           مات جابولو عنقود

ما يسعد فنان الغلبه           إلا من تحت اللحود ))

ونظم الدوعاجي هذه الأغنية انطلاقا من مثل قديم كان يردد فى الاوساط الشعبية وبقول :  (( عاش اشتهى بسرة مات علقولو عرجون )) . وكان هذا المثل يقال فى العقوق الذي يجده صاحب الفضل من مجتمعه واهله . ولم يكن

الدوعاجي يقول هذا متجها فقط الى أهل الحل والعقد فى البلاد بل الى الجمهور الذى لا يعرف حق الفنان ولا يبوئه مكانة عالية فى المجتمع بل كان يسمي الفنان (( قلاديمة )) ويسمي نفسه كذلك وهى حسب قوله : (( ذلك العبد الأسود الذى يعاضد العمال فى أشغالهم المرهقة بالترنم والغناء والموسيقى ليسليهم وليخفف عن كواهلهم أثقال الحياة وقساوة الشغل واستغلال البرجوازية المستعمر لهم )) وهو يعتقد أن ذلك الترنم هو عمل أيضا .

فالدوعاجي إذن كان ثائرا ضد تصور المجتمع المتخلف للفنان عندما يكون حيا منتجا فلا يفطن بقيمة فنه ولا يوليه العناية الكافية . وهذه العناية يجب أن تظهر لا فى التكريم والتبجيل فقط بل فى اعتبار ما يقوم به الفنان عملا جديرا بالتنويه وفى مستوى الاعمال التى يقوم بها المنتجون فى الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية . ألم يقل مثل هذا كثير من الادباء القدامى سواء فى الادب العربي أو الاوربى ! ؟ فقد قال الاخوة (( فنكور )) : (( العبقرية هى ابداع إنسان ميت )) ثم هل نحن نمضي الى حد قول الكاتب المبدع (( مارسيل بانيول )) : (( إن أسطورة العبقرية المغبونة خلقت وتعهدت بحذق من قبل الكتاب الذين غرقوا فى الرداءة وقبعوا ف كل العصور فى الظل والخصاصة )) ؟

معاذ الله أن يكون الدوعاجي كاتبا ردئا ولم يكن من أولئك الذين سخطوا على الحياة وتبرموا بها بل كان كلامه وعيشه يقطر مرحا وهزلا وغاية ما كان يريده هو المكانة التى يجب أن يجدها الكاتب والفنان فى المجتمع اى ان يكونا فى مرتبة مرموقة يعتز بها المجتمع لا فئة قليلة من الاصدقاء والعارفين ولم يكن القصد من كلامه هو التشجيع المادى والغنم المالى بل انما كان يناضل من أجل أن تكون منزلة الاديب والفنان فى قمة هرم المجتمع ولا يكون مغلوبا على أمره .

ولهذا فان ما يظنه البعض اليوم من أن المسألة هى تتعلق بالتشجيع والتبحيل والتكريم من قبل المشرفين على حظوظ الثقافة فهو قد أخطا الحساب إذ الأمر يبقى قائما وقد نال المثقف ما يرغبه من التشجيع المادي والأدبي : وهو ما هو دور الخلاق والمبدع لدى جمهور الناس ؟ ما هى المكانة التى يعطيها

المجتمع للفنان العبقري ؟ هل أنه يميز - حقيقة - بين الفنان الجيد والعبقري وبين الرديء والانتهازي ؟ هل أن التونسي ما يزال ينظر الى خارج بلاده يقدس كل من يأتيه من بلد آخر ويغمض عينيه على من هو بالقرب منه وهو ربما أعلى مستوى وأكثر عمقا وقيمة ؟ هل ان التونسى يوفر باقباله على الانتاج الثقافى ودفعه الثمن اللائق امكانية استمرار الانتاج من دون تدخل الدولة أو السلط ؟

هذه أسئلة عدة تحتاج الى النظر وتفرض على النقاد والباحثين ان يتعمقوا فى الاجابة عنها بكل موضوعية وواقعية .

فالنقاد من واجبهم ان يخرجوا عن صمتهم ويأخذوا على عاتقهم تقييم الانتاج الثقافى بالتنويه بالمحسن والتنديد بالمسيء من دون الظهور بمظهر من يتتبع السقطات فقط او من لا يرى الا الحسنات بل نحن فى انتظار بروز تلك الفصيلة من النقاد التى تنظر وتقيم انطلاقا من واقعنا وتاريخنا وتقاليدنا . أما الباحثون فانهم من الواجب ان يقلعوا عن الغرق فى النظريات والمذاهب والأيديلوجيات التى تفيد بالتعرف اليها وتمحيصها ولكنها لا تفيد اذا نحن أردنا أن نضيع انتاجنا فى قوالبها لنتبين هل هو جيد ؟ أو غير جيد ؟ أو هل هو جدير بالدرس والبحث أم غير جدير ؟

إن هذه الأسئلة وما يحف بتفريك عقدة (( العرجون )) او (( العنقود )) تحتاج الى نظر اعمق مما قدمت ولكن هذه الافتتاحية إنما هى تحريض . . وليست إلا مقدمة لما يمكن أن يلهم الكتاب والنقاد والدارسين والباحثين الى ما يجب الخوض فيه . فلعل هؤلاء سيشمرون عن ساعد الجد ولا يتركون الساحة الثقافية من حيث النقد والتقييم يطغى عليها اولئك الذين حذقوا الصراخ واستعاضوا عن الأدب بسوء الأدب .

اشترك في نشرتنا البريدية