إني أحسن بك ظنا وأتوسم فيك خيرا وارجو لك مستقبلا ادبيا زاهرا ، وإن كنت أشفق عليك من الغرور والادعاء فانى أعوذ بذكائك وعزمك من الكبر والخيلاء .
ومع انى اعلم ان نفسك هي اخص النفوس بك وانك ادرى بها من سواك ، وأعرف أنك بطبعك عن النصيحة راغب ، إذ أنت الى استقلال الذات تائق وبالتجربة الوجودية الفردية متمسك ، فانى أذكرك ببعض الحقائق المستقاة من التجارب والمستقراة من تاريخ الفكر البشرى عسى ان تتأمل منها وتعتبر بها فى هذه الفترة التى تتوق فيها الى الراحة بعد مشقة الدرس وعناء الطلب . اعلم - علمك الله الحكمة وبصرك بنفسك وقواك على أخذ زمام امرك - انك مهما اوتيت من العلم ورزقت من الفطنة فانك لا تزال فى أول الطريق ، فاياك ان تترك للتمذهب الأعمى إليك سبيلا وللانحياز الآلي عليك سلطانا ، واجتنب تغييب القضايا او اختزالها ، والهروب منها الى التجريدات والتهويمات ، والاستعاضة عن الواقع الحى المتطور بالشعارات ، بل تيقظ الى ما حولك ومحص الصحيح من الزائف ، وعبد طريقك الى الثقافة الحق والحرية الحق والكرامة الحق بالجهد الدائب والطلب الدائم ، والشوق الى الأفضل والتوق الى الأعلى إذ انسانية الانسان لا تعرف حدا بل هي تجاوز للذات متواصل وكسب مستمر وتجديد وخلق ؛ في عالم سيطرت فيه الوسائل السمعية البصرية أيما سيطرة ، وعمدت انظمة كثيرة الى تكييف الجماهير وتسخيرها ورغم آدعائها التقدمية والديمقراطية والاشتراكية ... وضيقت الآلة والدعاية وأنماط السكن وضروب التعفن من حرية تصرف الأفراد فاذا أكثرهم يساقون سوقا الى متعة وهم وسعادة سراب .
فليس التمرد السفيه ولا السباب المجانى ولا امضاء العرائض ولا القول بالمانوية المذهبية والدعوة الى حرب الطبقات أو جدلية تنازع الاجيال ولا العنف أو الرفض الكلى - وحدها -بحلول حتمية ناجعة أو ضمانات فعالة لحماية الذات الانسانية والذود عن الحرية أو إقرار العدل والسلم واحلال المحبة محل الشحناء والبغضاء .
إن الثورة الثقافية - فى مستوى الفرد ثم على صعيد المجتمع - هي الطريق المستقيمة ولكنها تقتضى الايمان بالإنسان بوصفه غاية الغايات ، وبأنه يخلق نفسه خلقا ويتجاوز ذاته ويصنع التاريخ ولا يصنعه التاريخ ، فلتعرف نفسك
- كما قال سقراط - ولتتحرر من الافكار القبلية والنظريات البراقة ولا تكن كلبى النزعة ، تصيح وتهتف وتتحمس سجينا للمجردات والقبليات تبيعا للفآت والتكتلات ، وذاتك فارغة وقلبك جاف وعقلك مقيد ، وفكرك مكبل ! هي الطريق الصعبة أدعوك الى اختيارها واطلب اليك جهدا وبذلا وطموحا للسير فيها . وهي التجارب الصادقة المتواصلة أحضك على الاقبال عليها من دون أن تخشى ما قد تتعرض اليه بسببها من المآخذ والمآتى ، فبذلك تتحرر من منزلتك المادية وتعيش حقا ، ولا يصح فيك ما قاله الفيلسوف اللاتينى سيناك Sénnèque في شخص بلغ أرذل العمر : (( تقول إنه عاش ثمانين سنة ؟ لا ! بل ان العمر امتد به ثمانين سنة !)) !80 ns a vecu 80 ans ? Non ! ll a duré ll ( في رسالة إلى لوسليوس Lucilius )
واعلم أنى لا أعيب عليك طموحك بل إنى أقدر فيك الهمة العالية والحرص على بلوغ أعلى المراتب الأدبية . إلا أنه من واجبى أن أذكرك بأن قيمة الأديب والفنان ليست بالضرورة فى الرفض والتمرد والتنكر والهجوم .
ولا شك ان اغلب الكتاب والفنانين عاشوا في حالة تأزم ضمن مجتمعهم وعصرهم ، وتمردوا على القيم الموروثة وضاقوا ذرعا بالعادات والقوانين وتحدوا الأوامر والنواهى الأخلاقية والجمالية والسياسية ، ونالهم - فى حالات عدة - الضيم وباؤوا باللعنة أو لاذوا بالعزلة .
ولكنهم فرضوا أنفسهم وكانوا عظماء بحق - لا بمجرد الرفض والتحدى والصياح والضجيج والفوضى الفكرية ... - بل لأنهم أبدعوا وتخلصوا من قيود مكانهم وزمانهم ، أى أنهم تحرروا من جاذبية مركباتهم وحسدهم وغرورهم وعجبهم وتجاوزوا (( تاريخيتهم )) وحلقوا في ذرى الفن إذ أنتجوا إنتاجا أجزل مادة من غيرهم وأينع ثمرا وأوسع إشراقا ونفذوا الى الجوهر وأصابوا الواقع في الصميم فأثروا فيه و وغيروه وطبعوه بطابعهم
ويشترك في هذه المنزلة من رجال الفكر والفن من تمرد وكفر وسخر ورفض ومن آمن وتعايش ونافح وتضامن ، لا فضل لواحد على الآخر إلا بما آبدع وخلد .
عندما نتأمل اليوم هندسة الأهرام الفرعونية ونعبر عن اعجابنا بها لا نفكر فى آتهام المهندسين والنحاتين ، المعروفين منهم والمغمورين ، بتخليد آلهتهم وعظمائهم ، ولا نغمطهم حقهم في التنويه والتمجيد او ننكر عليهم حظهم من العبقرية بدعوى أنهم تعاملوا مع الحكم القائم في مصر القديمة أو خضعوا الى قيم عصرهم الدينية وكذلك الامر بالنسبة لمن صمم الأكروبول بأثينا ولمن شيد المساجد والمآذن والكنائس ورسم بديع الصور ورائع الفسيفساء ...
وسواء زاغ أرسطوفان عن آتجاه الحكم القائم فى أثينا القديمة وتمرد الصعاليك على قومهم وكشفوا عن سيآت قبائلهم او انصرف سوفوكل وآشيل الى التغنى بمآثر مدينتهما فيما ألفاه من المسرحيات ، والتزم شعراء الجاهلية وصدر الاسلام الدفاع عن ذويهم والمنافحة من أجل عشيرتهم ونصرة
عقيدتهم ، فان الذى يهمنا منهم جميعا ، من حيث أنهم أدباء مبدعون ، هو أدبهم وروائع شعرهم وخالد مسرحهم
وبينما لا يزال النقاش متواصلا فى بعض الاوساط لمعرفة مقاصد شكسبير ، هل قصد التشهير بأخلاق عصره وإدانة الحكم المطلق عندما أمعن فى وصف الخبائث والجرائم التى حفل بها تاريخ انڤلترا على تعاقب عهوده ، أم هل أنه تفنن في تشخيص عاهات هذا التاريخ للتنويه بعهد الملكة أليزابيت السعيد ، فان مؤلف (( هملت )) و ((مكبث )) و (( الملك لير )) لا يزال فى قمة المجد المسرحى يمتع النفوس ويحرك الخيال ويلهم الأجيال
وشبيه به موليار الذى أضحك الملك لويس الرابع عشر وأغضب نفرا من المحظوظين ، وشهر بعيوب بعض رجالات عصره . ولكنه دخل فى التاريخ من بابه الكبير لأنه سبر أغوار النفس البشرية وأسبغ على وصفه وحواره من جلال الفن وشفافة المعنى ولطافة المبنى ما جعل الناس فى كافة انحاء العالم يكلفون به ويتسابقون الى مشاهدة رواياته منذ ثلاثة قرون .
فلتقبل عل البحث والمطالعة ولتتمعن فى الرأى قبل الأخذ به أو رفضه ولتتدير الخبر قبل تصديقه ولا تكونن لشئ أشد ضنا منك بحرية الرأى ولا أشد تعلقا منك بملكة التمييز
ومهما تثقفت وجربت وعاشرت الناس ، ووعيت أخبار من قبلك فأضفت - حسب قول الشاعر القديم - أعمارا إلى عمرك ، ومهما بلغ يقينك بالمذهب الذى اليه تدعو وبه تبشر إياك والتعصب والانسياق مع الهوى ، الذى هو بلية البلايا ، يحجب عنك الواقع الحى ويجعلك عاجزا عن التفتح الى الجديد والتطور مع الحياة ، بل يفقدك أدب النفس من حيث أنك تسعى الى أدب القلم
وإنى أقدر طموحك وارادتك السبق والتفوق ، بل ألتمس لك عذرا اذا أردت أن تملأ عصرك وتشغل الناس - مثل المتنبى - إلا أن أيسر الطرق وأقصرها لبلوغ ما تحلم به وترنو اليه ليس فى تحطيم من سبقك أو الازورار عمن عاصرك ولا من باب أولى وأحرى فى الهجوم على من أخذ بيدك وأرشدك فى خطواتك الاولى ، ولا تغتم مما سبق أن صدر عن أولياء نعمتك من تعطف عليك وإحسان إليك ولا تؤاخذهم اذا كانوا بك أرأف من سواهم وإليك أنظر ولك أحب وأوفى
واعلم أن أقوم المسالك وأضمنها تبنى مجدك بنفسك دون تطاول على الغير أو ضياع فى متاهات الجدل العقيم ، وان تتمسك بالجوهر وتترفع عن الأعراض والأغراض وتتوخى الصدق والأصالة وتعيش حقا وتعانى مغامرتك الوجودية ، فتستولى على الأمد ويكون الدهر عمرك ذلك قصاراك فخرا وحسبى جزاء .
