فى هذا العالم المتغير بسرعة مذهلة وتحت تأثير وسائل جبارة مادية ومعنوية تواجه كل المجتمعات وخاصة منها مجتمعات العالم الثالث خطرين اثنين لا بد من التنبيه اليهما وهما انعدام سلم قيم ما فى مجتمع ما ، وخطر استفحال ما أسميه ب " قانون القطيع "
فالخطر الاول ماثل للعيان نظرا الى التغييرات التى حدثت فى العالم من جراء الثورات المتتالية سواء منها الصناعية و الإلكترونية و الاعلامية أو الايديلوجية المنجرة فى الواقع عن العوامل الاقتصادية . وإن التغيير فى المجتمعات ليس جديدا والشكوى من الزمن الردىء هو قدر الناس وخاصة النابهين منهم والتذمر من قلب سلم القيم ليس جديدا فقد قال الشاعر قديما :
وما زال هذا الدهر يلحن فى الورى فيرفع مجرورا ويخفض مبتدا
وقال ابن الرومى :
دهر علا قدر الوضيع به وغدا الشريف يحطه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤه سفلا وتطفو فوقه جيفه
فليس هذا الذي اعنيه إذ هو صادر فى اغلب الأحيان عن شعور ذاتى وتقدير شخصى نابع عن شعور بالضيم حتى فى المجتمعات التى اقرت سلما من القيم ثابتا لا يتزحزح بل الذى اعنيه هو هذه الفوضى فى القيم التى اناخت بكلكلها على مجتمعات العالم الثالث ورمت بهم فى سبل مجهولة غير واضحة المسلك فغيرت بذلك سلوك الناس وجعلت الشباب في حيرة دائمة وفي دوامة من الفراغ القيمى المهلك
وقد عبر العديد من المفكرين والفلاسفة فى الغرب عن هذه الظاهرة وخاصة ألبير كامو في الرجل المتمرد وقال احد المفكرين الفرنسيين بصرريح العبارة ( جورج دى هامال ) : " فى هذه الساعة التى يظهر فيها أن القيم الانسانية أصبحت محل نظر فهل فى الامكان تصور عالم بدون سلم قيم ؟ وهل فى الامكان تصور مجتمع ليس فيه سلم يحتوى على عدد من الدرجات بكل درجة ارتبطت جملة من الحقوق والواجبات ولربما حتى بعض المميزات ؟ " .
وسلم القيم كما قال سارتر ينبع من هيكل المجتمع ولكن هذه القيم تكون ساكنة فى ضمير كل فرد وهي مرتبة ترتيبا محكما على حسب خطرها وهى المرجع فى الاحكام وفي السلوك
ولكن اذا أقررنا مثل الكاتب " نيزان " فى كتابه " حصان طروادة " " أنه كانت القيم موجودة قديما ولكنها الآن زالت . اذ أن العالم سار سيرا حسنا عندما أمن بالله ، بالعقل ، بالتقدم . غير أننا الآن لا نؤمن الا بشيء واحد لا يحتوي على أية سياسة ؛ إننا لا نؤمن الا بالموت "
واذا كانت المجتمعات الغربية التى استحكمت بها المادية بهذه الصورة تعتمد مجتمعات غنية ثابتة الاركان ذهبت شوطا فى التقدم ورغم هذا ما زالت تقيدها دساتير وقوانين محكمة فان مجتمعات العالم الثالث التى ما زالت هشة وانهار فيها سلم القيم هي معرضة الى خطر عظيم اذ هى تتلاقفها تيارات عديدة حاملة لجملة من القيم ، هذه تجذب الى مجاهل المستقبل فتطلب القفز فى متاهات تقدم غير
ثابت الاركان وتلك تجر الى لجج ماض غرق فيه الكثير فاحدثت فوضى غريبة فى العقول وصارت فى الواقع حافزا للكسب المادي فقط بما فيه الوصول الى الحكم بشتى الطرق وركوب مطايا متعددة بينما القيم الحق هي التى يرضى الانسان من أجلها البؤس والسخرية وحتى الموت
وعندما ينهار سلم القيم بهذه الصورة ويختلط الحابل بالنابل يحدث ما وصفه الكاتب المعروف " تان : Taine " اذ قال : " إن القطيع البشرى اذا هو ترك وشانه ورجع فجأة الى وضع قريب من الطبيعة فانه لا يقدر الا على التحرك والتصادم بعضه مع بعض حتى تسيطر عليه القوة المحض كما هو الشأن في عصور التوحش ثم سرعان ما يبرز من خلال الغبار والصراخ سائق عسكري يكون عادة جزارا . وفي مجال التاريخ من الاحسن توخي المواصلة عوض العودة الى البدء " .
وهكذا فان الخطر الذى يهدد بلدان العالم الثالث انما هو ما سميته بقانون القطيع عندما يتحكم فى المجتمعات بالكثرة والعدد أو بالمال أو بالعقلية النحلية التى تستند الى النزعة العرقية أو النرجسية المدمرة والتهالك على الموت من أجل الموت كرها فى الحياة .
واذا كانت الثورات الحقيقية في العالم - ومنها الثورة التى قام بها الاسلام تعتمد قيما ثابتة أساسها حب الحياة وحب الناس وإشاعة العدالة والمساواة والأخاء ودعامتها نشدان الحقيقة والجمال والخير ، ووسائل تركيزها مقاومة الشر والعبودية والعنف فانه من واجب مجتمعات العالم الثالث ان تكف عن اللعب بالنار وان لا تترك للشعوب الحبل على الغارب يقودها الجهلة والمجانين ( انظر الى ما وصلت اليه البشرية مع هتلر ) والشغوفون بالموت والدمار وان تتولى بكل حزم ارجاع سلم القيم الى نصابه سواء فى مجال التربية او في المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية أو فى العمل الثقافي باشاعة القيم الثقافية النابعة - بالنسبة الينا - من حضارتنا العربية الاسلامية في أجلى مجاليها عند تخليصها
مما ران عليها فى عصور الانحطاط من جمود وتحجر وعقلية نحلية مدمرة . ناهيك أن هذه القيم هى التى رجع اليها الغرب وأصبح يشيعها سواء فى مجتمعاته أو فى المنظمات العالمية .
وعلى كل فان ما أشرت اليه فى هذه الافتتاحية اعتبره مادة لنقاش طويل لعل القراء الكرام يجدون فيه منطلقا لمعالجة هذه الظواهر المؤسفة . وصفحات المجلة مفتوحة اليهم لبسط آرائهم ونظرتهم الخاصة الى هذا الموضوع

