الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، على هامش زيارة الى اليابان

Share

أتيح لى فى الشهر الفارط أن أقيم باليابان عشرة أيام بمناسبة مشاركتى فى أشغال الدورة الثانية والسبعين لللجنة الأولمبية الدولية ، ولم أشاهد من شتى مدنها العملاقة سوى طوكيو وسابورو ولم أكتشف من معالمهما إلا ما سمح لى به برنامج الاقامة المثقل ولقاءات المؤتمر الرياضى المطردة . إلا أنى وقفت على بعض خصائص هذا البلد البعيد وتحادثت الى نخبة من رجالاته واكتشفت فى أهله جانبا بشريا مشرقا جذابا لم أتعرف عليه ولا تعاطفت معه من خلال ما سبق لى أن طالعته عن اليابان .

سألت موظفا ساميا فى وزارة الخارجية اليابانية بعد أن حدثنى عن دراساته الجامعية التى أنهاها منذ عقدين هل تدرس العلوم الصحيحة من رياضيات وفيزياء وكيمياء وعلم حياة باللغة اليابانية فى جامعاتهم . فآستغرب سؤالى وقال فى لغة فرنسية سليمة : إننا منذ أول نهضتنا ولحاقنا بالعالم العصرى لا نزال ندرس كل المواد بلغتنا القومية فى كل درجات التعليم . وأضاف أنه إذا أسف لشئ فانما يأسف لما يطرأ من بطء فى نقل الاكتشافات العلمية والتكنولوجية من اللغة اليابانية - التى بها يفكرون ويعبرون ويسجلون ما يستنبطون ويبتكرون - إلى اللغات الحية العالمية .

ورجعت بذاكرتى إلى تاريخ هذا البلد فاستحضرت ما كان يعانيه منذ حوالى قرن من وحشة الانعزال عن العالم وغربة الانطواء على النفس ويشكوه من وصمة التخلف وعار التحجر والعقم ، وكيف تم الاصلاح بفضل آمبراطور عبقرى ووزير فذ فى آواخر القرن الماضى فزال الاقطاع ونشطت الفلاحة والصناعات وتحققت النهضة التعليمية والثقافية ولم يزل اليابان فى مجهوده الجبار من أجل الكفاية والازدهار والمناعة حتى أصبح اليوم - رغم ما تجرعه من مرارة الانهزام فى الحرب العالمية الثانية خاصة - أقوى بلاد العالم المصنعة بعد الولايات المتحدة .

على أن الذى يهمنا بوجه أخص من هذه النهضة هو أن اليابانيين عندما أفاقوا من سباتهم التاريخى الطويل لم يقلدوا الغير فى لغته وحضارته وأسلوب عيشه . إنهم أخذوا عن الدول المتقدمة الصناعات والأساليب الفنية والمناهج الناجعة ولكنهم احتفظوا بروحهم وظلوا غيورين على شخصيتهم ،

ولئن أوفدوا الطلبة الى الخارج واستقدموا البعثات العلمية الى بلادهم ، وتعلموا اللغات الحية الواسعة الانتشار فان شيئا من ذلك لم يركب فيهم عقدا ولا أورث فى نفوس أجيالهم الطالعة أمراضا نفسية وحضارية ليس أخفها وطأة ولا أقلها أثرا التنكر للذات والشك فى الكفاءات القومية والاستهتار بأقدس المقومات الوطنية .

وبذلك يقوم الدليل مرة أخرى على أن ثمن المعاصرة وضريبة الخروج من التخلف ليسا - حتما - فى تقليد القوى واستيراد مذاهبه وأساليب عيشه ، وأن الأصالة لا تتضارب مع التقدم العصرى والتطور التقنى ، وأن الأمر هو أولا وآخرا فى معرفة ما اذا توفرت فى أبناء الأمة الطموحة الى الحياة الحق إرادة البقاء والثقة فى النفس والقدرة على الهضم الحضارى والايمان بحتمية المساهمة الطريفة الايجابية فى إنماء الحضارة الانسانية .

ومن نكد الدهر أن نفرا من طلبتنا ومثقفينا لا يزالون يجترون الشعارات الأجنبية ويتحمسون للمذاهب الغريبة عن طبيعة الأشياء فى بلادنا ويتعلقون بالتافه من القضايا الفرعية وهم فى غفلة عن المعركة المصيرية من أجل الاستقلال الثقافى الحقيقى .

والحال أن التاريخ يتيح لشبابنا اليوم شرف المساهمة الفعالة فى كسب المناعة الحق لهذا الشعب ويفسح أمام كل العزائم الصادقة والنفوس السخية والعقول الغضة طريق المغامرة الانسانية من أجل خلق حضارة أصيلة .  ان التاريخ يتيح لهم هذا الشرف كما أتاحه لأجيال الثلاثينات والاربعينات والخمسينات فكافحت وأبلت البلاء الحسن من أجل تحرير الوطن وتخليصه من وصمة العبودية السياسية وسرطان الاندماج والذوبان .

أما الذين يعلمون شبابنا التائه السحر لمرض فى النفس أو بدافع عقائدى زائف فأرجو أن لا يكون مثلهم كمثل جحا الذى بلغه يوما اشتعال النار فى قريته فقال : أرجو ألا تكون فى بيتى فلما قيل له إنها فى بيته أجاب : أرجو ألا تكون فى غرفتى فلما أكدوا له أن غرفته تشتعل صاح : إذن أرجو ألا تكون فى جسدى ! !

أليس من الأجدى بأولئك وهؤلاء - عوض التقليد الأعمى وسلوك الببغاوات أو اللعب بالنار . . . أن يتأملوا فى تجارب الأمم التى خلقت حضارات وبلغت أعلى مراتب الرقى العلمى من دون مسخ لعبقريتها الذاتية ؟ إن فى مثال اليابان عبرة لمن يعتبر !

اشترك في نشرتنا البريدية