تتوالى مهرجانات الشعر فى العالم وفي بلادنا العربية بالخصوص ، وتنتظم ملتقيات هواة الأدب ، وتطرد المعارك الأدبية حول الشكل والمضمون ، الالتزام والحرية ، الشعر الحر والشعر التقليدى ، شعر الشباب وشعر الشيوخ، ويهافت الأدباء وبعض المتطفلين والمرتزقة على الشعر المعاصر ، ينقلونه الى العربية نقلا يتأرجح بين التوفيق والاخفاق والوضوح والاغماض ، وكثيرا ما ويقدمون المدرسة الشعرية إلى قراء العربية عندما يأفل نجمها ويخفت صوتها في العالم المتقدم ولم تعد مستجيبة لداعي التطور والارتقاء . فالقوم قلما يتعمقون في حقيقة الشعر ويستبطنون ماهيته وأسلوبه فى التعبير والتبليغ ، وقلما يدركون أسراره وهواجسه وسحر وجوده .
ويذهب بعضهم الى القول بأن تطور العلوم وسلطان العقل والمنطق وصرامة نواميس الواقع وطغيان المادة تقضى على الشعر بالموت والعاطفة بالتحجر ، بل إن التقدم العظيم الذي سجله العلم هو الذي كشف عن حدود العقل من حيث هو الطريق الوحيدة إلى المعرفة والجواب الشافى عن الاسئلة الرهيبه التى لا تزال تفرض نفسها على الانسان فى سعيه الى معرفة ذاته ومنزلته فى الوجود ومصيره .
فهذا عالم الذرة انشتاين ترتعد فرائصه لهول ما اكتشف ويدرك الخطر الكبير الذي يهدد الانسان فيتبرأ من العلم ويلوذ بالفن والشعر ، يعتبرهما ملاذا اسمي من الفكير الآخذ بقواعد الرياضيات . وكم مفكر أو فيلسوف استنحد بالشعر أمام الكوارث المتتالية التى انتابت العالم والخيبات التكررة التى منيت بها القيم التقليدية والرجات العميقة التى قلقت التفكير الوضع المنتحل للروح العلمية . فكأن الشعر أصبح الملاذ الاوحد لحرية الانسان وحامية الاول من عقارب الشك وغائلة اليأس وبحران الكفر وسبيله المثلي لمعرفة ذاته ، وترجمانه الامين على لانهائيه الاخلاقية وواقعه المطلق .
وفي هذا الاتجاه نجد الشاعر الكبير سان جون يبرس يحدد ماهية الشعر فى الخطاب الذي ألقاه يوم 10 ديسمبر 1960 بمناسبة تسلمه جائزة نوبل للآداب فيتساءل : حين نقدر ازمة العلم العصري وهو يكتشف حتى فى المفاهيم المطلقة الرياضية حدوده المنطقية ، وحين نشاهد فى الفيزياء نظريتين من امهات النظريات تقرران الاولى مبدأ عاما للنسبية 1 والأخرى مبدأ كميا للايقين واللاحتمية 2 من شأنه ان يحد الى الأبد من دقة القياسات الفيزيائية نفسها ، وحين نستمع الى اعظم مجدد علمي في هذا العصر ذي العمل الطلائعي في ميدان دراسات الهيئة الفلكية الحديثة والشاهد لأفسح تأليف فكرى مستعملا لغة المعادلات ، حين نستمع اليه يستنجد بالحدس لمؤازرة العقل ويعلن ان الخيال هو الحقل الحقيقي لانعاش المفاهيم العلمية ويذهب به الامر الى المناداة بحق العالم في اللواذ برؤية فنية شاملة إلى الأشياء حين نقف على كل ذلك أليس من حقنا ان نجعل للاداة الشعرية ما للاداة المنطقية من الشرعية ؟ " .
ويشبه سان جون بيرس العالم والشاعر بشخصين ولدا اعميين يحاولان تحسس طريقهما فى ليلة الوجود الازلية يتوكأ الاول على الاداة العلمية ويعتمد الثاني ومضات الحدس ، فأيهما يبلغ شاطئ اليقين ويمزق الحجب قبل غيره ؟
والأهم من الجواب هو أن ندرك تجانس المغامرتين وأصالتهما ووثيق ارتباطهما بالإنسان . وهل عالم الانسان الباطني أقل اتساعا وادنى عمقا وأيسر فهما من الكون المحيط به ؟
واذا كان الشعر سبيلا الى المعرفة واستجلاء لاسرار الوجود فهو كذلك اسلوب فى الحياة ، فالشعر لازم الانسان عندما كان يعيش فى الكهوف ويلازمه اليوم فى عصر الذرة لانه جزء لا يتجزأ منه ، وجبلة فيه . والشعر
الحق لئن استوحى الجمال وتغنى به واقتبس منه لا يتخذه غاية قصوى له اذ هو لا يفضل بين الحياة والفن ولا بين المحبة والمعرفة ، انه عمل وخلق وتوهج عاطفة ، وطاقة متدفقة . الشعر متجاوز للحدود ، متمرد دوما ، شيمته السبق والتنبؤ ، كفاه نبلا وأصالة انه الدواء الواقى من الجمود والرتابة والتعود لانه اندهاش إيجابي ، وصدمة منعشة يفضيان إلى استكناه الكون ومعانقة جوهر الحياة الحية المتدفقة . كفى الشعر فخرا أنه وخز الضمير عبر العصور ! كفا عظمة أنه فى صميمه تقصى وجود الجوهر فى جوهر الوجود !
فما أحرى أدباءنا وشعراءنا بالخصوص بتجاوز المناقشات الهامشية والقضايا الفرعية وتقصى جوهر الأشياء والغوض الى صميم الموضوع . ولن يكون ذلك الا اذا آتسعت المدارك وانفتحت الافق وصدقت الرؤيا وعمقت الرؤية ودوت التجربة بمعناها الاسمى فى النفس الشاعرة .
بذلك فقط يكونون شعراء ، بهم يسطع نجم الأدب العربى وتشع حضارتنا فى العالم .

