الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، في سبيل نهضة جديدة مرة اخرى

Share

كنت كتبت فى هذا الركن من المجلة فى اكتوبر 1981 افتتاحية بعنوان : (( فى سبيل نهضة جديدة )) وحللت أسباب ما تردى فيه الفكر العربى الاسلامى من اضطراب فى المفاهيم وتسطيح للافكار وتذبذب فى الآراء وما نتج عن كل ذلك من مواقف تفضي فى الغالب الى الأزمات المتتالية السياسية التى نشهدها فى كثير من بلدان عالمنا العربى الاسلامى

وكنت بينت أنه ليس من طريقة الآن - والسياسات فى بلدان العالم العربى الاسلامى على ما هى عليه - الا الالتفات الى المفكرين والمصلحين وأصحاب الرأى وجمعهم فى حركة بارزة المعالم وفسح المجال للحوار والنقاش والتداول فى الشؤون الفكرية الثقافية المصيرية ورسم الخطط الكفيلة بالخروج من هذه الدركات من دون اللجوء الى العنف والارهاب مهما كان ، ومن دون التطرق الى العمل السياسى الذى لا بد له فيما بعد أن يستنير بكل ذلك ويستفيد الاستفادة المرجوة .

وأضفت : إننا فى حاجة الآن الى تقييم جديد مركز صادر عن تجمعات فكرية عميقة النظر قادرة على أن تصدع برايها فى جلاء وان تجمع ما تشتت من الافكار والمفكرين وان تقوم بعمل مركز لا يهدف الا الى دفع عجلة النهضة

العربية الاسلامية من دون تعصب ولا مانوية ومن دون تحد لاى كان بل يجب ان تكون هذه النهضة متلائمة مع عالمنا الحاضر منسجمة معه لا تكن أية عداوة ولا استنقاص لاى كان مستعينة به متعاونة معه وخاصة مع هيئاته الفكرية والثقافية : انسانية لا عرقية ولا إيديلوجية شمولية لا دغمائية فيها ولا تعصب .

ودعوت الى حوار نزيه للتداول فى هذه المواضيع وفتحت المجلة صفحاتها طيلة هذه السنوات الى كثير من الدراسات والبحوث والاستجوابات التى تعالج مثل هذه القضايا غير انه يصعب الظفر بنتيجة ملموسة اذا لم يكن هناك جامع ما يؤلف بين ما تباعد فى المكان وتشابه فى الرأى والمنحى ويكون بمثابة الدفع للم الشتات الظاهر وتكوين قوة فكرية قادرة على تخطى كل السلبيات التى عرفها العالم العربى الاسلامى وعجزت الاتجاهات السياسة والمذهبية على ايجاد البديل لها ورسم السبيل الواضحة للنجاة .

نحن فى أمس الحاجة الى حركة فكرية ، نهضوية ، جديدة يلتف حولها جمع من المفكرين وأصحاب الرأى من كل بلاد العالم وخاصة من عالمنا العربى الاسلامى ليس لهم من سند الا قوة الحجة ولا غاية لهم الا التفكير فى الخروج بمجتمعنا الانسانى الصغير من الازمات الحضارية المتتالية والنكبات السياسية المتعددة ودفعه الى استشفاف الطريق الواضحة التى لا تفضي الى المتاهات والمأسى وفتح الآفاق له للمصالحة الكبرى مع القوى التى طالما اصطدم معها فى الماضى والحاضر وجعله يقلع عن الحوار مع نفسه ومناجاتها في لغة لا يفهمها إلا هو .

نحن اذن فى امس الحاجة الى تجمع بعيد من جهة عن الاغراض السياسية البحتة الخادمة بالطبع وبصورة مشروعة لما تفرضه مقتضيات الدولة أية دولة كانت ومن جهة أخرى متنصل من كل المذاهب والاتجاهات المعروفة من دون مناوأة لها ولا مشاحة .

إن هذه الحركة التى فى الامكان أن تأخذ صورة جمعية للنرضة والآخوة تضم ثلة من رجال الادب والفكر والثقافة والاصلاح مدعوة الى اقامة الجسور بين عدة اتجاهات تنطلق من أرضية فكرية اصلاحية واحدة وأهدافها هى :

- التنوير والاضاءة بالحجة والادلة في كل ما يتعلق بالاتجاهات المضرة بالعالم العربى الاسلامى والانسانية والتي كان لها الاثر السئ فى بث الشحناء واقامة الحروب وتشتيت الصفوف علما بأن الافكار والآراء هى التى تحمل في طياتها وقبل تطبيقها إما بذور الخير والنعمة أو أسباب الشر والنقمة وهى هى التى تحشد الجموع فى آخر الامر وتستغل فى سبيل مصالح لم تخلق لها .

- التأكيد على أن مفهوم العروبة والاسلام يجب ان يحدد فى المعنى الأصلى له عندما كان جامعا لكل العرب وغير العرب بأقلياته ودياناته ومذاهبه فى سعى الاسلام الى الشمول والأخوة والمساواة جوهرا وعقيدة وسلوكا .

- الاتفاق على انه ليس من صالح العالم العربى الاسلامى أن يبقى فى مناجاة مع نفسه فكريا وعقائديا من جهة ومن جهة أخرى مجرورا من حيث يدري أو لا يدري بحكم الأحداث والمصالح الى ما لا يرضاه ولا يخدم جماهيره .

- احترام كل الأنظمة مهما كانت والمذاهب على اختلافها والسعى الى طرح الخلافات والاتفاق على أرضية يكون الهدف منها هو التعريف بالحضارة العربية الاسلامية وربطها بالمعاصرة ودفعها الى المساهمة فى الحضارة الانسانية وجعلها تكون قوة تخدم السلم وتمكن العالم من ان يجد توازنه فيما هو عليه من كتل وتجمعات .

- السعي الى إفهام الجميع أن الدين والعقيدة والمذهب ليست حائلا دون تفاهم البشر بل هى جعلت أساسا للتقريب بين بني الانسان ودعوته الى الأخوة والتآلف لا لشن الحروب وبث الضغناء .

- التدليل على أن الحروب وفكرة التوسع مهما كانت ماديا أو معنويا لا تثمر ابدا وهى توقع اصحابها فى متاهات لا يغنمون منها شيئا وانما هى تلحق بهم

وبغيرهم الدمار وتجعلهم لا يتقدمون قيد أنملة فى الغايات التى حددوها أساسا وانما هى تخرب ما بنوه بالجهد والاجهاد .

- الاتفاق على أن التعصب والعنف العدوانى والارهاب والعنصرية هى وسائل العاجزين عن اثبات شرعية دعواهم وان تاريخ الشعوب مشحون بخيبات من توخى هذه الاساليب التى وان أثمرت ظاهريا فى المدى القريب فهي تحمل فى ذاتها أسباب الانهيار والتلاشى .

- الاصداع بأن العالم العربى الاسلامى جزء كبير من العالم الثالث له دوره الفعال فى توازن القوى إن هو اتفق على خطة فكرية موحدة ومد الجسور بصورة فكرية بينه وبين بقية العالم وأعان على احلال السلم وتقريب المصالح

هذه بعض الاهداف التى يمكن ان يلتف حولها اعضاء هذه الجمعية لبلورة هذه الافكار وتنميتها وانضاجها وضبطها لانها فى اعتقادى اصبحت متواردة فى كثير من الكتابات ومتفق على جلها ويبقى تجسيمها رهين عمل حركى .

وإنه آن الأوان أن نشرع فى تجسيمها بصورة عملية وأن يلتف حولها من لا يعتقد أن مثل هذه الاعمال هى ضرب من الخيال وسراب ليس من ورائه طائل وحرث فى البحر . إننا نؤمن أن الفكرة اذا التف حولها ذوو العزائم الصادقة تثمر طال الوقت أو قصر وأن المهم هو التخلص من كل ما من شأنه ان يفسد سعي المرء من أجل الغايات النبيلة والمبادئ السامية والاقلاع عن النقاش والحوار بالافكار الجاهزة ولغة الشعارات وإيجاد اسلوب يطرح كل ما من شأنه أن يوجد الخلاف من الاساس وإنما المؤمنون اخوة اولا وآخرا .

اشترك في نشرتنا البريدية