إن الاحداث التى عرفتها تونس في أوائل شهر جانفى 1984 كانت مجالا فسيحا للتعاليق الصحفية الوطنية والاجنبية وفرصة ثمينة للسياسين وغير السياسيين لاستخلاص العبر على حسب الاتجاهات والغايات وانطلاقا من فناعات قد تصمد أمام محك الفكر والتمييز الثاقب وقد تتهافت سطحية أو تحاملا أو تواطؤا او حقدا او جريا وراء سراب من الاوهام والترهات .
ولكن ما حدث فى يوم يسميه المؤرخون "فتنة الخبز " يحتاج الى تحليل عميق لا من اسياسين والصحفيين فقط بل من الدارسين والباحثين والعلماء الذين ينطلقون من واقع الامور على حسب اختصاصاتهم فى الاقتصاد والاجتماع والظواهر العاملة فى سلوك المجتمعات والشعوب .
وليس من الطبيعى فى مثل هذه الظروف أن يسكت المثقف المؤمن بشرف الكلمة والمعبر عن اتواق شعبه وأشواقه والمتفاعل مع آمال أمته وآلامها ويترك المجال فسيحا لغيره فلا يحرك ساكنا ولا يندفع الى المشاركة بالتحليل والدرس او بالرأى والخاطرة فى قضايا هي فى صلب مصير المجتمع الذي ينتسب اليه وهي أساسا المكيفة لمستقبل البلد الذى سيكتنف أبناءه وأحفاده فى العقود الآتية .
وإن ما سأثيره فى هذه الصفحات القليلة إنما هو دعوة الى المساهمة فى حوار يجب ان يلتئم بين من يأنسون فى أنفسهم القدرة على التحليل والدرس لا دافع يدفعهم الا البحث عن الحقيقة ولا رائد لهم الا محبة هذا الوطن لا تحركهم الشعارات مهما كانت خلابة ولا يغريهم بريق الايدلوجيات مهما قوي تأثيرها ولا تلقي بهم التبعيات الفكرية فى متاهات الزيف والباطل وإن غلفت بغلاف الحقيقة والواقع ولا تعصف بهم الاهواء والانواء وان اشتدت وعنفت ، ديدنهم الاصداع بالرأى النزيه وشيمتهم الاخلاص للقيم والمبادئ .
وأول قضية أريد إثارتها هي مسألة المسار الديمقراطي الذي لم ينفك بتحدث عنه كل متحدث وبتحمس له كل متحمس فى بلادنا وهو أساسا ما عملت على ارسائه حكومة المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبه وقد مضى أشواطا فى تثبيته الاستاذ محمد مزالي الوزير الاول وحقق منه ما لا يمكن ان بتكره منكر ولا يجحده جاحد . ولكن الذى يعجب له كل من محص الرأى وميزه وبستغربه أشد الاستغراب هو ان الكثير من الذين يؤمنون بجدوى المسار الديمقراطى قولا وعقيدة لم يكن سلوكهم المنطقي متجها دائما الى مساندة من اوكل اليه رئيس الدولة ترسيخ هذا المسار وتركيزه بل إن كل الدلائل والعلامات والحركات الخفية والبارزة نتيجتها الحتنمية عن سوء نية او سلامة قصد هى السعى الى الاطاحة بمن كرس جهده ووهب عمره لخدمة هذا الهدف النبيل وتحقيقه .
هذا سؤال يحتاج الجواب عنه الى استعراض أنواع من هذا السلوك الفردى أو الجماعي يستشفه كل ملاحظ نزيه من الاقتراحات والمبادرات المؤدية حتها الى تقويض كل بناء ديمقراطى فى البلاد وتهديم كل المكاسب التى حصل عليها هذا الشعب بالتضحيات الجسام .
وإن أفطع نوع من أنواع هذا السلوك هو تجويز العنف أو السكوت عنه أو تغذيته بصورة من الصور ، بدءا بالعنف الكلامي الوقح"الموشح" ب " والسب والشتم والثلب وكل ألوان التهور الى العنف المادي الذي يهلك الحوث والنسيل .
وفي هذا المجال دراسات عديدة تحلل عواقب العنف وويلاته ( دراسة الاستاذ محمد مزالي عن العنف فى هذا العدد تبين بيانا عميقا اسباب هذه الآف ومظاهرها ) وتنبه الى الاخطار التى تنجر عن ممارسة العنف مهما كانت وتاريخ البشرية " حافل " بما أصاب الشعوب من الحروب الاهلية والانظمة الدكتاتورية نتيجة لتوخي العنف كوسيلة من وسائل الكفاح ( إلا فيما يتعلق بالكفاح التحريرى وإزاحة سلطة الاجنبى والدفاع عن الكيان) .
ولكن الذي يغيب عن الاذهان حتى المتيقظة منها هو أن العنف لا يأتي عفوا وإنما له أسباب وجذور تبدأ من البيئة الاولى الى المدرسة الى الحياة العامة وتزرع البذور فى أناة وبأساليب لا يتفطن الى خطورتها حتى أصحابها وهي بمثابة العصا الراجعة(Boomrang) التى لا تبقى ولا تذر . والعنف سبب من أسباب الخراب الذي لا تنفع معه المشاريع الاقتصادية الناجعة ولا السياسية الاجتماعية والثقافية الحكيمة وما ينتج عنها من قوانين وضمانات وبرامج تثقيفية وهو أساسا يقوض كل سعى للاخذ بيد الضعفاء والمسحوقين ويترك الفرصة لكل مغامر للقبض على السلطة مستندا الى فئة ما ومعمقا بذلك الفوارق فتنقلص العدالة المرجوة والحرية المأمولة وتصبح النجاة بالنفس هي الغاية القصوى .
وهكذا نرى أن القضية الكبرى التى يجب أن نوليها الاولوية هي ظاهرة العنف وما يترتب على ذلك من مراجعة لسياستنا التربوية حتى تكون الى جانب تلقين المعارف ميدانا فسيحا لزرع القيم فى نفوس الناشئة سواء كانت قيما اسلامية سمحة بلا تعصب مقيت ولا انغلاق مشين أو قيما ثقافية ارتضتها البشرية بأجمعها كسدى يقوم عليه وجودها وصيرتها ويمنعها من أن يأكل بعضها البعض وبنتهي امرها الى الانتحار الجماعى عن طريق الاسلحة النووية .
ويتضح من كل هذا ان مشاكل الشباب وما يتبع ذلك من تنمية وتشغيل إنما هى متصلة اشد الاتصال بهذه الظاهرة وطريقة معالجتنا لها . إذ أن العنف
اذا سيطر على مجتمع ما يحول كل البرامج والمشاريع الى هباء ويصبح المجتمع نهبا للقلاقل والازمات وعند ذلك يطمع الطامعون فى البلاد ويؤول الامر مثلما كان ذلك فى القرون الخالية الى التناحر والفنن ثم الاستعمار والاستبعاد .
وهذا بالضبط ما يجعلني اتطرق الى قضية أخرى لا تنفصل عن موضوع العنف اذ هي أساسه ومنطلقه وهو أن العالم العربي والاسلامي يعيش فترة تشبه بالضبط ما كان عليه فى العصور الخوالى اذ هو رجع الى الجدل فى نفس القضايا الدينية والمذهبية التى ادت به الى الفتن والتناحر ثم الجمود الفكرى . وكانه يريد ، فى هذه الحقبة من الزمن التى لا يحسد فيها على ضعفه ، أن يعيد ما كان عليه من حال تدعو الى الرثاء ، وقد كان فى قوته وعنفوانه ورغم ذلك لم يقدر على الصمود فى وجه الغازين والمعتدين .
وهكذا يتضح أن الاحداث التى كانت البلاد التونسية مسرحا لها تحتاج الى التحليل العميق ومراجعة انفسنا واختياراتنا ليمكن لنا أن نجنب البلاد الهزات واللازمات ولا يكون ، ذلك إلا بخدمة المسار الديمقراطي خدمة حقيقية لا بالاقوال بل بالافعال واجتثات كل ما من شأنه أن يزيد فى التفاوت بين الفئات والأجيال والجهات ويعمق الهوة بينها ويجعل العنف هو المسيطر والفيصل (*).

