تنظيم الهياكل الثقافية بتونس يكاد يكون فريدا من نوعه اذ يمكن من انتشار هذه البني بعمق في كامل البلاد بصورة بعيدة عن البيروقراطية فيما ندعوه باللجان الثقافية الجهوية والمحلية المنتقاة عن طريق التطوع والمشرفة عليها اللجنة الثقافية القومية وهى من شأنها أن تعطى للثقافة الدفع الحقيقي النابع من حاجيات المنطقة وتطلعاتها في هذا الميدان
وهذه اللجان الثقافية تستند الى جملة من البنى الاساسية الثقافية من دور ثقافة ومكتبات ومتاحف ومسارح تتولى أمرها وزارة الشؤون الثقافية . وكلها قد لقيت العناية منذ عشرين سنة وصدرت منذ أكثر من سنة النصوص التشريعية التي تنظمها وتعطيها الدفع الضرورى لتتجدد وتساير تطور المجتمع .
ولكن هذه الهياكل رغم أهميتها وقيمتها التى لا يشك فيها تبقى مشلولة اذا هي لم تستند الى مؤسسات اعظم وابعد مستوى ومدى تزودها بالمادة الثقافية وبالاطار البشرى الكفيل بجعلها خلايا تتلاقي فيها الطاقات المبدعة والمنشطة للحياة الثقافية .
ولهذا السبب بعثت في هذه السنوات القليلة ( منذ سنة 1981) المعاهد العليا ويؤمها التلاميذ المتحصلون على الباكالوريا لقضاء اربع سنوات
كاملة سواء في دراسة التنشيط الثقافي أو الفن المسرحى أو الموسيقى . ومن شأن هذه المعاهد العليا أن تزود البلاد بالطاقات الثقافية المبرزة في الخلق والابداع وكذلك التنشيط الثقافى وهى وإن كان عدد المتخرجين منها قليلا كفيلة بأن تجر الطاقات الاخرى المتكونة ميدانيا الى الاساليب والطرق الرائدة في ميدان أصبح يوما بعد يوم حاجة ملحة في حياة البشر ألا وهي الغذاء الثقافي.
ولكن هذه السنة كانت حصيلتها من حيث المؤسسات الثقافية الكبرى عظيمة اذ يمكن أن تعد أربعا لها قيمتها في التأثير على مستقبل الثقافة في هذه البلاد : - مركز الدراسات والتوثيق للتنمية الثقافية . - المسرح الوطني . -صندوق التنمية الثقافية - المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات .
أما مركز الدراسات والتوثيق للتنمية الثقافية فانه برز كحاجة أكيدة لتخطيط العمل الثقافى وبرمجته وتمكين وزارة الشؤون الثقافية من التصرف في خلية متعددة الاختصاصات دراسة وبحثا لتقييم المشاريع وتقدير تأثيرها تربويا واجتماعيا وثقافيا . ومن أهداف هذا المركز القيام بالابحاث المنهجية وضبط وسائل التحليل والتقييم في ميداني التنمية والتخطيط الثقافي وكذلك انجاز نظام إعلامي وإحصائى خاص بحقل الثقافة وإعداد دليل سنوى وفهرست المصادر الاعلام التوثيقي في البلاد وتنظيم شبكة مدمجة للتوثيق والاعلام لدى وزارة الشؤون الثقافية وكذلك إنشاء نظام متناسق بين المصالح المنتجة للمعلومات . ويهدف المركز أيضا الى توسيع الشبكة الى المؤسسات التابعة للوزارة وبعث بنك المعطيات الثقافية التونسية وتسييره وربط بنك المعطيات الثقافية ببنك الينسكو للمعطيات الثقافية وبنوك مختلف المنظمات الثقافية الدولية.
وفيما يخص المسرح الوطنى التونسى فان الحاجة الى استقطاب الكفاءات الفنية التونسية وتمكينها من انتاج اعمال مسرحية رفيعة في مستواها الفكرى والفنى من دون اللجوء الى البيروقراطية المضرة بالانتاج أصبحت أكيدة خاصة وأن الفرق المحترفة والهاوية كثر عددها وتحتاج الى مد يد المساعدة ماديا وفنيا . وسيكون المسرح الوطنى بهياكله القانونية وتنظيمه التنظيم المحكم والمرن قادرا على اثراء التعبير الفني والارتقاء بمستواه والمساهمة في دعم المهنة المسرحية وسيساعد ويشارك في الانتاج الفكري والفني الرفيع والعمل على ترويجه وتوزيعه مساهما في التنشيط الثقافي وعاملا على اشعاع الانتاج المسرحى التونسى على الصعيدين العربي والعالمي مستلهما في ذلك التراث الثقافي المسرحي قوميا وعالميا . وستعمل هذه المؤسسة على تقديم عروض مسرحية متنوعة من الرصيد الوطني والقومى والعربي من دون أن تتفصى من القيام بدور رائد تجاه الفرق المسرحية التونسية الموجودة في الساحة الثقافية منظمة التربصات الفنية والرسكلة الكفيلة بالنهوض بفرقنا المنبثة في الجهات.
أما صندوق التنمية الثقافية فقد جاء تلبية لحاجة ملحة ابرزتها الدراسة العلمية الاقتصادية اذ تبين أن المجهود الذي تقوم به وزارة الثقافة ينصرف أغلبه من حيث الميزانية في التصرف والتسيير والتكوين ولا يعطى للخلق والابداع الا نسبة ضئيلة لا تتجاوز 9 بالمائة ( ميزانية سنة 1983 ) وقررت الحكومة على هذا الاساس أن تخصص ميزانية إضافية تقدر بثلاثة مليارات من المليمات وهو من شأنه أن يرفع نسبة التشجيع على الخلق والابداع الى ما يناهز الاربعين في المائة من ميزانية التصرف.
وسيكون هذا الصندوق مخصصا أساسا الى شراء الكتب والافلام الثقافية والعروض المسرحية والموسيقية وبرامج المهرجانات وكل انتاج يتعلق بثقافة الاطفال وهكذا ستمكن هذه المؤسسة من تحقيق غايتين كبيرتين وهما تشجيع الخلق بشراء أجوده وأحسنه وتنشيط الحياة الثقافية اذ ستتمكن وزارة
الثقافة من تعمير المكتبات العمومية بالكتب ودور الثقافة والشعب والمسارح بالافلام الثقافية والعروض المسرحية والموسيقية.
اما المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات التي سيجد القارىء الكريم ملفا يعرف بها فى هذا العدد ستكون ملتقى للشرق والغرب يتم فيها الحوار بين الدارسين والمبدعين التونسيين ونظرائهم في أوطان أخرى وستعمل على اقامة الجسور بين ثقافتنا وثقافات مختلفة
وهكذا يمكن القول بأن هذه المؤسسات الثقافية رائدة بالمعنى الذي يفهم منه أنها تبعث لأول مرة في بلادنا ولكنها رائدة أيضا في العلاقة الموجودة بينها وفي اندراجها في سياسة ثقافية فريدة من نوعها تستند الى الدولة من حيث الامكانيات والوسائل وتعطى للمثقفين والمبدعين والخلاقين المجال فسيحا لصنع الثقافة في جو من الحرية والمسؤولية الكفيلتين لجعل الثقافة بعدا أساسيا من أبعاد التنمية الشاملة وغاية نبيلة للنهضة بالانسان وربطه بالحضارة الانسانية .
