الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، نتائج مؤتمر الادباء التاسع

Share

لنعرف هل كان مؤتمر الأدباء العرب التاسع ناجحا وجب أن نتفق على أغراضه ونتبين مطامحه ، حتى لا نتجرع مرارة الشعور بالفشل او نعانى أزمة خيبات الأمل .

والحقيقة التى تفرض نفسها على كل ذى ذوق سليم وتفكير مستقيم هى ان اجتماء الأدباء العرب وشعرائهم ، مهما كان مستواهم واخلاصهم ، لا يمكن ان يسفر عن قرارات حاسمة أو يضمن تنفيذ ما يصدرونه من توصيات - وقد مر على انعقاد أول مؤتمر لهم حوالى عشرين سنة - لسبب بسيط هو أن الحكومات هي التى تملك وحدها القدرة على ذلك فى نطاق دساتير البلدان المعنية وبعد مصادقة البرلمانات والهيآت الاستشارية . وكان يحسن بالرأي العام العربي ان يطالب باجتماع وزراء الثقافة والتعليم العرب لوضع استراتيجية للنهضة بالثقافة العربية المرتجاة وتحرير الفكر العربي مما يكبله من شتى الرواسب والعراقيل المادية والمعنوية ، واستشفاف مصير الأمة العربية فى سنة 2000 والطرق الكفيلة بجعلنا نسهم فى الحضارة الانسانية .

وحتى لو التأمت مثل هذه الاجتماعات وتوفر لها من صفاء الجو ورسوخ العزم ما لم يتوفر في مؤتمرات عربية على (( مستويات )) اخرى ، لوجب ان ننتظر سنين طويلة نظرا للتفاوت الحضاري الموجود بين البلدان العربية والمتناقضات الاجتماعية والاقتصادية التى ورثتها عن تاريخها البعيد والقريب والخصومات الايدولوجية التى تبدد طاقاتها وتشتت شملها ونظرا بالخصوص للخطة الاستعمارية والصهيونية التى تحرص على صرف اهتمام القوى العربية الطلائعية الى التناحر والتشكيك وزرع بذور التخاذل واليأس من المستقبل .

وانما يتجلى دور الأدباء ورجال الفكر في التوعية وتجديد القيم والمساهمة

فى رفع مستوى الجماهير وتبصيرها بواقعها ، فى اطار الكيان القومى واحترام المقومات التى تكون بها الأمة أمة متميزة منيعة .

ولا يكون هذا الا اذا توفر - لدى رجال الفكر - المستوى الثقافي والأخلاقي بالخصوص ومن مقتضياته الصدق فى القول والتضحية من أجل المبدأ والتعلق بالحرية لا التى تقرها المجتمعات المتمدنة وتجود بها الأنظمة وتضمنها الدساتير فقط ، بل الحرية الذاتية التى تجعل الأديب ورجل الفكر متحررا من الأنانية والطمع والوصولية والانتهازية والانتماء المذهبى الأعمى وهي حرية نابعة من الذات ومكتسبة فى الآن نفسه بالمران ورياضة النفس والعزيمة إذ ليس بطل الحرية - دائما - ذلك التى يتخذها شعارا يردده في المناسبات ، أو سبيلا الى الزعامة الأدبية التى يعتقد البعض أن استمالة بعض الشباب وتملق أهوائهم سبيل اليها .

كما ان ادق المواقف وأصعبها - وانجعها ايضا - لا تتمثل دائما في الرفض والحقد والمانوية والوقوف على ربوة التطرف اللفظي والملاوذة (( بالغرنطة )) الثقافية بل تتجلى - أحيانا - فى الحوار مع الواقع البشرى والجدل معه قصد تغييره تدريجيا وفي إيثار الحلول الوسطى الثورية بحق ، وتتجلى كذلك في المحبة والتفاؤل وعزيمة التعاون وارادة الخير والملاءمة المتواصلة المضنية بين الممكن والمأمول ، بين القول والفعل.

لكل ذلك لم ننتظر من مؤتمر الأدباء العرب التاسع الا ما كان فى وسعه ان يحققه . ومن اهم مكاسبه انه مكن عددا كبيرا من الأدباء والشعراء من التعارف والتوادد وتبادل المعلومات والتجارب ومكن أكثر من مائة أديب عربي من زيارة تونس لأول مرة والوقوف على نهضتها والاعتزاز بانجازاتها فى شتى الميادين وصرح الكثير منهم انهم كانوا يحملون عنا وعن وطننا صورة مشوهة ، ولذلك نقصت العزلة الفاصلة بين شرق الوطن العربي وغربه ، وقطعت خطوات في سبيل الوحدة التى تقتضى أولا المعرفة الصحيحة والتقدير المتبادل والعزيمة المشتركة على بناء المصير الواحد .

وإن (( الجو الهامشى )) الذي اعتبر احد الصحفيين الأشقاء ان اتحاد الكتاب التونسيين أغرق فيه المؤتمر والمؤتمرين هو بالضبط أحد مكاسب هذا الملتقى لأن (( السياحة )) وزيارة المعالم الأثرية ومشاهدة المسرحيات ومعارض الكتب والاجتماع بالمسؤولين والحوار معهم ، والتجول عبر البلاد من العوامل التى تدعم الصداقة وتوطد الأخوة وتزيح العراقيل في طريق المستقبل .

وإذ نأسف لسوء التفاهم الذي ظهر بين بعض المؤتمرين - بل بين وفد عزيز علينا وبقية الوفود - فقد حرصنا - بوصفنا مسؤولين عن التنظيم - على أن نكون محايدين وواجهنا فى سبيل ذلك صعوبات جمة ولم تصدر مواقفنا عن انحياز لوفد دون آخر بل كنا ملتزمين بقرارات الأغلبية ولعل ذنبنا يتمثل فى أننا آثرنا العمل الجدى والتنظيم المضبوط وحصول الاتفاق ولو على ما هو دون المرتجي اجتنابا للفوضى والقطيعة وشماتة (( الملاحظين )) وأعداء الأمة العربية .

وليعلن من يشاء ان يعلن انه غير مرتبط بالسلطة وانه حر ، تقدمي ، غيور على الحرية ! فان الارتباط بالسلطة لا يعنى دائما الخضوع اليها بل قد يكون احيانا توجيها فعالا إياها وتسخيرا ذكيا لها فى سبيل خدمة ما يؤمن به المثقف الشريف من مثل ومبادئ ، إذ السياسة الحق اخلاق واختيار وصدق، وقد يكون الارتباط بالسلطة المالية او المذهبية أشد عبودية وبشاعة ، والمستقبل كشاف . . .

ومهما يكن من امر فانه من واجب اتحاد الكتاب العرب أن يراجع قانونه الأساسي ونظامه الداخلى على ضوء تجارب العشرين سنة المنصرمة وأن يبحث عن طرق انجع لتنظيم المؤتمرات المقبلة ويسعى الى اتخاذ قرارات جدية وعملية من شأنها أن ترفع من منزلة الكتاب العرب وتضمن إشعاع الفكر العربى فى العالم .

فهل يتحقق ذلك ؟ ان ما نلتزمه من واقعية وموضوعية وما نتوسمه فى مستقبل الأمة العربية من امكانيات وطاقات ، رغم استهتار الصهيونية ودعاة الانهزامية وأقزام الكتاب وتجار القلم وضحايا الدعايات الضالة وتسميم الأفكار . . . لا ينفي الأمل بل يشد العزم ويضاعف الايمان .

اشترك في نشرتنا البريدية