إن من أعراض الأزمة الحضارية التى يشكوها عالم اليوم وتتجرع مرارتها الأجيال الصاعدة تفاقم الالتباس المحيط بالقيم ، والغموض المتزايد حوا معنى الحياة وجدواها، ومدلول التقدم وحقيقته ، ومفهوم السعادة وحظ الانسان منها وسيطرة البشر على أمور العصر وقدرتهم على مواجهة مصيرهم.
فقد اختلطت السبل وحلت الحيرة محل اليقين والاطمئنان الى الغد ، وانتشر الأدب المأسوى ، وعمت ظاهرة التشاؤم في الانتاج الفكري ، أو كادت ، فآعتصم قوم بالماضى - على علاته - وتعصبوا له وهربوا من تبعات الحاضر ومغامرات المستقبل، فاسندوا بذلك قيادة الأحياء للأموات واعتبر قوم آخرون أنفسهم في حل من قومهم ومن الانسانية التي ينتسبون إليها وعبدوا الذات ولاذوا باللذات ورددوا مع النواسي ان الدهر لا يقصر إلا بالاقبال على الدنيا والانهماك فيها ، ولعل بعضهم وجد في العنف والمخدرات والجنس تعويضا عن فشله وتسلية لانهزامه، فآستعاض بذلك عن الأعلى بالأدنى ، وزاد عبودية من حيث أراد التحرر والانعتاق .
ولئن آتفق أكثر الملاحظين والدارسين على تشخيص هذه الظاهرة وأطنبوا في وصفها فانهم ذهبوا فى ضبط أسبابها مذاهب شتى ، وتباينوا فى تبين نتائجها القريبة والبعيدة .
على أن الاجماع يكاد يحصل حول ملاحظة احتضار " الايديولوجيات" وأزمة الأديان وصمت المذاهب الفلسفية أو عجزها عن الابلاغ والانارة والاشعاع فى عصر طغت فيه الوسائل السمعية البصرية والطرق التكنولوجيا على الشباب والخصوص فأخذت بلبه وصرفته عن المطالعة الرصينة والتروى والتأمل.
وغير مجد أن ندخل في جدل لا طائل من ورائه لمعرفة ما إذا كانت الأزمات التربوية التى تعانيها معظم البلدان- متخلفة كانت أو متقدمة - ناتجة عن الأزمة الحضارية أم هي مظهر من مظاهرها أو سبب من أسبابها . فان الذى
لا شك فيه هو أنه لا يمكن السيطرة على الحضارة ولا تجديدها أو تجاوز سلبياتها دون نظام تربوى أصيل متماسك ، متكامل ، ومتناغم مع نداء المضارع وأشواق المستقبل .
لذلك لا نرى طريقا أضمن ولا طريقة أنجع للسيطرة على هذه الأزمة الحضارية ومغالبة عناصرها السلبية ووقاية البشرية من أهوالها من العناية بشؤون التعليم والاهتداء الى النظام التربوي الكفيل بتوجيه الناشئة الى الغذاء الروحى والعقلي والعاطفي المستساغ وإعدادها بحيث تنمي شخصيتها وترهف شعورها بالكرامة الذاتية والحرية الفردية وفي آن واحد تعمق انتسابها إلى الجماعة وتضامنها معها وتقديرها لمسؤولياتها .
ذلك أن كل نظام تربوى شامل جدير بهذا الاسم ينطوى فى الواقع على مشروع لحضارة ما ، ويخطط لنمط بشرى بعينه ويكيف فى آخر الأمر مصيرا جماعيا مضبوطا ولا تكاد فترة ثورية أو انتقالية تمر بمجتمع ما - ماضيا وحاضرا - دون أن تصبح فيه التربية مسألة المسائل وحجر الزاوية بالنسبة لكل بناء جدى وتخطيط محكم .
واذا كان ذلك كذلك فان البلاد المتخلفة بسبب ما قاسته من ويلات الاستعمار واستهدفت له من ضروب المسخ والتسميم أدعى إلى الحرص على وضع نظام تربوى ملائم ، يربط بين الماضي والمستقبل ويضمن حرمة الشخصية الوطنية ورسوخ المقومات الذاتية ويؤهل الشباب في نفس الوقت الى المعاصرة والقوة على مواجهة مقتضيات الربع الاخير من القرن العشرين.
ولا شك أن تعميم التعليم وديمقراطيته من الضرورات الاكيدة وقد بلغت بلادنا فى هذا المجال شأوا بعيدا مما أوجب الاعتزاز والتنوبه ، ولكن ذلك لا يكفى ولا يشفي من الفاقة الكبرى ولا يضمن السيطرة على الأزمة الحضارية التى يشكوها العالم اليوم .
إنه التحدى الكبير الذي لا مناص لنا من مواجهته اذا أردنا الحياة والمناعة ورمنا المساهمة فى تقدم الانسانية . وهو الرهان التاريخي الكبير الذي يغرينا بالاقدام عليه ولابد من الفوز به ، ما أمسكنا عن استيراد ثمار الحضارة وعزمنا على زرع بذورها بأنفسنا .
