وأخيرا بعث اتحاد الكتاب التونسيين فى جو من الثقة والتفاؤل والحماس والرصانة ، استجابة لارادة الأغلبية الساحقة من رجال الفكر والأدب وتوقهم الى تصادى المشاعر والتأليف بين القلوب وسعيهم الى تقارب الآراء وتكامل الجهود ، وأسوة بما هو موجود في اكثر دول العالم ، وخاصة فى أقطار الشرق الأوسط وبلدان المغرب الكبير الشقيقة .
ولئن سبق فيما مضى بعض الاحترازات المعتدلة في خصوص مبدأ جمع الكتاب في اتحاد ، فانما كان ذلك اشفاقا على كرامة صاحب القلم ودفاعا عن حريته وحقه المطلق في الخلق والابداع من دون رقابة مسلطة عليه ، إلا رقابة الضمير وسلطان الفن ونداء التاريخ ، ولا وصاية مهما كان نوعها ، ولو كانت صادرة عن " تشكيلة من الزملاء " ، اتعاظا بما وقع في بعض البلاد من اوربا الشرقية وآسيا وأمريكا اللاطينية ، وبعض البلدان العربية المقلدة لها فى عمى مؤسف وسطحية لا تغتفر
ولعل فيما أتسم به عمل المؤسسين العشرة من التأني والبطء الظاهرى لدليلا على الجد والعمق والحرص على اجتناب الارتجال وآتقاء العثرات ، ثم ان ما دار من مناقشات بناءة أثناء الجلسة العامة التأسيسية التى انعقدت يوم الجمعة 4 ديسمبر 1970 وتواصلت ست ساعات لبرهان على الوضوح الذي يمكن اعتباره شعارا للكتاب التونسيين المتحدين وضمانا لنجاح مشروعهم .
ويتجل هذا الوضوح ، أولا وبالذات ، في المبادئ العامة التى التزم الاتحاد السير على هديها . ومن أهمها انه " يحجر على نفسه إصدار أحكام باسمه على قيمة انتاج أعضائه او تبني تيار فكرى أو ادبي معين " . ومعنى ذلك أن الفكر حر أساسا ، وان مصادر الوحى ومقاصد الخلق وطرائق التعبير والتبليغ متعددة متنوعة ، وانه ليس لأى كان ، فردا أو جماعة ، أن يعتبر نفسه وصيا علي الكتاب ، قيما على انتاجهم ، وانه ليس فى دنيا القلم المبدع نظرية رسمية ولا
عصمة ، بل يجب ، فى هذا الصدد ، أن يتشبع الجميع بروح النسبية ويكونوا على قدر كبير من التواضع والتسامح والحياء ، وهي شروط دل استقراء احوال المجتمعات ماضيا وحاضرا على انه كلما وقع تجاوزها أو الزيغ عنها والتنكر لها باء الفكر بالفشل وتعطل الخلق الأدبي وتوالت النكسات الحضارية .
على انه اذا كان الكاتب حرا فيما يخلق وينتج فانه بوصفه مواطنا وانسانا لا يمكنه ان يبقى مكتوف الأيدى إزاء ما يجرى فى الدنيا ، مغمض العينين أما ما يعترى الأفراد والمجتمعات فى كل مكان من علل وما يلحقهم من ضرور الاهانة والغبن ، ولا مبرر - أخلاقيا - لبقائه على الربوة متصاما عن نداء المعذبين فى الأرض ، الساعين الى النور والعدالة ، المجاهدين في سبيل الحرية والكرامة ؛ فهو حر ولكنه مسؤول ، لا يليق به أن يبقى فى غفلة عن قضايا التقدم والسلم والازدهار وحماية مكاسب البشر في كل المجالات ، ومكافحة الاستعمار والميز العنصرى واستغلال الانسان لأخيه الإنسان
ثم إن الكتاب الأصيلين بحق يساهمون في إثراء الثقافة القومية وبلورة الأصالة الوطنية ولكنهم لا ينغلقون على أنفسهم ، بل يؤمنون بتلاقح الثقافات والتقارب بين الحضارات ، إنهم يتمسكون بخصوصيتهم وطرافتهم وينزعون في الوقت ذاته الى العمومية ، الى العالمية ، الى الإنسانية فى اوسع ابعادها وأشرف معانيها . فلا تعصب بغيضا ولا انطواء على النفس مقيتا او انكماشا ممتا .
لذلك كله كان من مبادئ اتحاد الكتاب التونسيين ان " يلتزم استعمال ما لاعضائه من نفوذ ادبي ووزن شخصى فى العالم لخدمة التفاهم البشرى والاحترام المتبادل بين الشعوب " .
كما يتجلى الوضوح الذي حرص عليه الاتحاد منذ خطواته الاولى فى الغايات الرئيسية التى رسمها لنفسه .
وفي مقدمة هذه الغايات " رعاية أعضائه والمنتسبين اليه والتعريف بالانتاج التونسى والعمل على النهوض به بكل وسائل النشر والترجمة والتوزيع والمساعدة على انجاز مشاريع الكتاب التونسيين الأدبية والفكرية داخل الجمهورية وخارجها . . . وإنه لعمل كبير وطويل اذا تجاوزنا العموميات ونفذنا الى صميم الواقع الفكرى فى بلادنا فحللناه وتفهمناه وحاولنا التأثير فيه .
ذلك أن أول ما يستوقف المتأمل في منزلة الكاتب التونسي هو أنه يحيا كالطفيلى او هو مهدد فى حياته المادية اذا اقتصر على الكتابة . وان اغلب الكتاب
والأدباء في هذه البلاد لا يمكنهم ولا يتصورون انه يمكنهم أن يعيشوا بما ينتجون كما هو الحال في كل الدول المتقدمة ، وحتى فى بعض الدول المتخلفة ؛ انهم هواة يسرقون الوقت سرقة للتأمل والكتابة ، ويستمدون كيانهم وما به قوامهم من خدمات اخرى لأن وظيفة الكتابة لم تفرض نفسها بعد .
وليس هذا قضاء مبرما وقدرا محتوما ، بل هو نتيجة قرون الانحطاط وآفة من آفات التخلف وفي الإمكان التغلب على الداء ، كما تغلب الشعب التونسي على أمراض مزمنة كثيرة منذ أن اصبح حرا مستقلا ، بشرط أن يعم الوعى كافة المعنيين بالامر وندرك جميعا كل العناصر السلبية فنشهر بها ونقاومها
فالي جانب العوامل النفسانية والاجراءات الفنية والتجارية الصرفة التى من شأنها ان تفرض الكتاب التونسي في الداخل والخارج والى جانب الوسائل السمعية والبصرية التى يتعين استغلالها للتعريف بالانتاج التونسي وتشويق الناس الى الاقبال عليه ، لعله من الضرورى أن نستأصل كل المركبات ونجتث كل النقائص من الأساس فنتصدى لبرامج التعليم ونعيد النظر فيها انطلاقا من مبدأ التونسية ونسعى الى تنشئة الأجيال الصاعدة على الشغف بالمطالعة وتحبيب المؤلفات التونسية قديمها وحديثها الى نفوسهم ، ونكيف برامج منظمات الشباب بحيث تتم عمل المدرسة ، ونستنبط صيغا متنوعة من التشجيع والاغراء لحمل رجال الغد على الانتاج والاقدام على مغامرة الكتابة فى شتى الأغراض وبمختلف الأساليب
وانه في امكان اتحاد الكتاب دراسة كل الملابسات التى تكتنف منزلة الكاتب التونسي والأسباب التى تساعده على الترشد والثقة فى النفس والاضطلاع . بوظيفته فى المجتمع وتقديم مقترحات الى كل من يهمهم الامر ، وبذلك يساهم فى التغلب على اكثر مشاكل الكتابة والتأليف استعصاء . فاذا ما عمت التوعية وعمقت وتم منذ سنوات التعليم الاولى التأثير على العقلية الموروثة بدت المشاكل الاخرى هينة الحل وتيسر الضغط على تكاليف الورق والطباعة وتطورت المطابع وأمكن السيطرة على التوزيع وتحقق التوازن فى تنشيط مختلف القطاعات الثقافية وتوفرت الامكانيات والموارد المتماشية مع كرامة الكاتب المراعية لحرمة الفكر ، المكافئة لمعاناة الخلق وآلامه مكافأة عادلة على انه لا يمكن أن نتسلى عن مصاعب العاجل أو فواته بانتظار الآجل ، بل يجب التصدى الى العراقيل التى تقف اليوم حجر عثرة فى طريق الكتاب والأدباء والمساهمة فى إزاحتها أو مداورتها واجتناب مضاعفاتها وذلك بالدرس والتمحيص والتشاور والتعاون الإيجابي النزيه مع كافة الجهات الرسمية وغير الرسمية التى يهمها الأمر
ومن غايات الاتحاد تشجيع الشبان على إبراز طاقات الابداع فيهم ومساعدتهم على نشر إنتاجهم وترويجه " وفي هذا الصدد يحسن رفع ما قد يحصل من التباس وينشأ من صعوبات لأن بعض الكتاب " الكبار " قد يتمسكون بمبدأ المساواة أو يتجزوتون " بدعوى أن الكاتب اذا استحق هذا اللقب ودخل عائلة الاتحاد من بابها الكبير فمعنى ذلك انه غير محتاج الى معاملة خاصة قد تؤول الى نوع من المحظوظية ! وقد يتحرج الأدباء الشبان انفسهم ويرون فى هذه العناية ضربا من " الأبوة " الثقيلة التى قد يشتم منها رائحة الوصاية أو مركب الاستعلاء
وإلى أولئك وهؤلاء نقول إن الاتحاد أحسن صنعا عندما نص فى قانونه الأساسي على عنابته بالأدباء الشبان إذ هو بذلك رسم لنفسه أتجاها وأكد اختيارا وراهن على المستقبل
ذلك أن الهيات التى تسير المؤسسات الثقافية بالرغم عن كونها منتخبة أحيانا معرضة فى معاملة الجديد " وتقييمه والى ما يعتريها من انحياز وتعاطف بحكم ما نشأت عليه وتعودت به ، غير " مستعدة " من الوجهة النفسانية الى مراجعة المقاييس " المعروفة " واستبدال القيم الجمالية والتقنيات الأدبية " المتفق عليها " والمعتمدة فى الجامعات والمعاهد العليا والأكادميات وكثيرا ما نشأت الخصومات الأدبية بين مختلف الأجيال وحدثت القطيعة وما ينجر عنها من تبدد الطاقات وضياع المواهب وتشتت الجهود وتأصل الضغائن
ولما كانت سنة الفكر أن يكون دائما خلاقا فاتحا مفجرا ينابيع الإحساس بالجمال والحق والعدل سابرا دوما لأعماق النفس والعقل نزاعا الى المطلق فان الموقف الذكى والعادل يقتضى ان نتمسك بالتواضع ازاء الحديد فلا نقاومه مبدئيا ولا نعطيه كذلك من القيمة ما ليس له بل نتحسس أوجه الجمال فيه ونسلط اضواء النقد النزيه عليه ونوفر له - على كل حال - أسباب الظهور واثبات الوجود . وبذلك يكون الحوار والتفاعل والتكامل وتتوطد صلة الرحم بين مختلف اجيال الكتاب . فالعناية بالأدباء الشبان تعنى بالخصوص تلقيح الاتحاد من داء التحجر والانغلاق على النفس و " لعن المستقبل " وتعني وقاية النهضة الأدبية المرتجاة من تنازع الأجيال وحرب طبقات الأدباء .
ومن الغايات أيضا ربط علاقات صداقة وتعاون بين الاتحاد وبين الجمعيات الثقافية المماثلة فى سائر الأقطار " إذ لا بد من ربط الصلة مع الكتاب فى كافة الدول الشقيقة والصديقة وخاصة منها دول حوض البحر المتوسط والبلدان الافريقية والسعى الى مزيد التعارف وتنسيق التعاون والتمعن فى القضايا
المشتركة والتعرف على منزلة الكاتب حيثما كان والكفاح من أجل اضطلاعه يمسؤولياته كاملة وتكتيل الجهود لنصرة اخواننا حملة الأقلام المضطهدين فى فلسطين وكافة الأقطار التى تعاني ويلات الاستعمار والميز العنصري والتضامن الايجابي مع قضاياهم العادلة .
وطبيعي أن تحتل العلاقات بين الكتاب التونسيين والكتاب العرب مرتبة ممتازة فى مشاغل الاتحاد لأن الواجب يملى عليهم اكثر من أى وقت مضى دعم الوحدة الحضارية والثقافية التى تجمع بين شعوبهم وداعي الضمير يدعوهم الى المساهمة فى خلق المواطن العربي الجديد الذي يستطيع أن يواجه تحديات العصر ويحقق أسباب المناعة والثبات إزاء ما يتهدد العالم العربى من عوامل التأخر والتلاشى ؛ وإنما يشعر الكتاب والمثقفون العرب عامة - بدورهم التاريخي بفضل مزيد التعارف والتعاون وتكتيل الجهود والطاقات .
وفي هذا السياق يندرج التعاون الوثيق بين اتحادات كتاب بلدان المغرب العربى الكبير ويكتسي صبغة التأكد المطلق والضرورة القصوى . واذا سلمنا بما يربطنا من وشائج قربى وأواصر أخوة عمقتها القرون ودعمها الكفاح المشترك وما يجمعنا من عزيمة متبادلة على بناء المستقبل المشترك وجب أن يهيئ رجال الفكر فى كافة بلدان هذا الشمال الجو النفسانى ويمهدوا الطريق الى التقدير المتبادل والمحبة الخالصة ويتبينوا جذور الأصالة المغربية ويعملوا على تنميتها وإشاعتها من خلال ما يقولون ويكتبون . ولا يتأتى ذلك إلا اذا اصبحوا كأفراد العائلة الواحدة تعارفا وتعاونا وتيسر للانتاج الأدبي أن ينشر ويذاع ويضمن له الرواج على نطاق أفقى لا عمودى كما هو الشأن الى حد الآن ويا حبذا لو بعثت رابطة كتاب المغرب العربى الكبير ونسقت العمل لتجسيم مطلب من أعز مطالب شعوبنا .
وإذا ما سار الاتحاد علي ضوء تلك المبادئ ووفق في تحقيق ما التزمه من الغايات واهتدى دائما الى وضوح الرؤيا فى ضباب الملابسات الظرفية والمشاكل الجزئية فتسامى عن الاعراض وتمسك بالجوهر والف بين القلوب يكون بعثه حدثا قوميا ذا بال ومنعرجا فى تاريخ الأدب والثقافة بهذه الديار .
ومهما يكن فنحن نرحب باتحاد الكتاب ونرجو له التوفيق والسداد

