الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ, الانسان أول الحضارة وآخرها

Share

إن المتأمل فيما ينشر هذه الأيام بمختلف بلاد الغرب - خاصة - يلاحظ وعيا متزايدا واهتماما متعاظما بأزمة الحضارة وتمزق الضمير فى تلك البلدان ، نتيجة لفقدان التساوق أو التوازى بين التقدم العلمى والرقى الانسانى بين آطراد الاكتشافات واكتساح الفضاء والسيطرة على المادة ومعجزات الحاسبات الالكترونية . . . وبين " تواضع " معرفة الانسان لنفسه ، وإدراكه مدى وعمق المناطق المجهولة من " إنيته" فى وعيه ولا وعيه ، فى معقوله ولا معقوله ، فى تفاهته المادية وعظمته المعنوية ، بين التنمية الاقتصادية والازدهار المادى وطغيان مجتمع الاستهلاك وبين تفاقم المآسى الاجتماعية واحتداد أزمات الاجيال الصاعدة ، وآفتراق المبادىء والأفعال وتناقض الأقوال مع الأعمال .

ويعترف - اليوم - رجال الثقافة وعدد من العلماء بأنهم كلفوا العلم فوق وسعه عندما طالبوه بالكشف عن واقع الأشياء وضبط أسباب الظواهر ومسبباتها ، وطمحوا فوق ذلك فى أن يكسبهم السعادة !

إن العلم أفسح مجالات شاسعة أمام التقنية والتكنولوجيا ، فتمكن الانسان من السيطرة على الطبيعة ( بقطع النظر عن مضاعفات تلوث المحيط واستنفاد المدخرات الطبيعية من مواد التغذية والماء . . ) واكتسح الفضاء ( من دون أن نثير هنا مسألة أولوية رصد الأموال الطائلة للوصول الى القمر مثلا بينما مآت الملايين من البشر يهددهم الجوع والمرض ويبقيهم الجهل فى منزلة مزرية من الوجهة الانسانية التضامنية ) ٠٠ ولكن هذا الانسان فشل أو كاد - فى السيطرة على نفسه ، لأن العلوم الانسانية ليست " صحيحة مثل الفيزيا والكيميا والرياضيات . . ولأن الانسان تأكد اليوم ، أكثر من أى وقت مضى ، أنه " جرم صغير وفيه آنطوى العالم الأكبر " ! ولأن العديد من العلماء وذوى الضمائر اليقظة أدركوا منذ انفجار القنبلة الذرية

على أرض هيروشيما ( 1945 ) أن التقدم العلمى وارتفاع مستوى الانسان الأخلاقى ليسا متوازيين بالضرورة ! . .

لذلك أصبح من أوكد مشاغل العلماء ورجال الفكر - فى العالم المتقدم خاصة - النظر فى نتائج التقدم العلمى وتقييم آنعكاساته الاجتماعية والنفسانية و " الايكولوجية " Consequences ecologique وتحديد مسؤولياتهم إزاء البشرية .

ولئن مال فرنسوا دى كلوزى (*) فى كتابه الذى صدر منذ أسابيع قليلة بعنوان " والسعادة أيضا " الى ضرورة مواصلة منح العلم الثقة التامة لأنه ينطوى على مدخرات عظيمة من " الخيال الخلاق " ، وآعتبر أن العلم أهدى الانسان " لعبا كثيرة ، فعليه اليوم أن يرفه عن نفسه بها " ، فان الذى نخشاه هو أن يتمادى الانسان فى مطالبة العلم بأكثر مما يطالب به نفسه ، فهذا الدكتور روبير يونغ R. Yunk  الألمانى صاحب كتاب: "بدأ المستقبل بعد " le futur a deja commence ، والذى يعتبره شباب بلاده " أستاذ الخيال يكتب منذ أيام : " كما أن هيروشيما كانت نهاية عهد ، لأنها بددت ثقتنا العمياء فى تكنولوجيا بريئة تضمن التقدم - آليا - فكذلك أكتوبر 1973 ! ( وما استتبعته أزمة الطاقة البترولية من مضاعفات ) . إنه مكننا من إدراك ما يشكوه التقدم المبنى على الفتوحات التكنولوجيا والمادية وحدها من ضعف وقصور " .

وهكذا تتطور الأفكار ويثوب الكثير من العلماء والمثقفين الى رشدهم ، بعد أن بلغ بهم الصلف مبلغه ، وبعد أن دفعهم خيلاؤهم إلى الكلف بالأرقام وتقديس الآلة ، والخلط بين الذكاء وسلطان التكنولوجيا . وهكذا يتراجعون عن الاختصاص المتطرف الذى مزق الانسان وأقام بين مختلف جوانبه الحواجز السميكة فأضاع كنهه وتنكر لأشواقه الدفينة .

ولعل أبلغ ما طالعته فى هذا الصدد كتاب صدر حديثا ( 1973 ) للعالم الفيلسوف " الدوس هكسلى " بعنوان " القيان " les Call Girls ويقصد بهذه العبارة المشوقة العلماء الذين أصبحوا يتجولون بين عواصم الدنيا بعنوان المشاركة فى الملتقيات الدراسية والمؤتمرات العلمية ، ويتباحثون من

دون حوار حق ، أى من دون أن يتم بينهم الاتصال الحقيقى والتعاون المثمر فكل يتبرج بآخر ما آكتشف ، ويختال فى محدث نظرياته ومغرب تخميناته . وكل يحاول إغراء الآخر لايقاعه فى حبال منطقه ! وكل قينة بآختصاصها وخاصياتها معجبة . . .

ويقر - اليوم - عدد كبير من المفكرين بضرورة اكتشاف التسامح والتواضع من جديد والاعتراف بأن المستقبل لا يمكن التكهن به فى بساطة وسهولة ، بل إن هذا المستقبل قد يتجه آتجاهات مختلفة ويمر بمنعرجات متباينة ، قد تكون نهايتها السلام والوئام والازدهار وقد تكون الحرب والدمار والانحطاط ، وانه يتعين - بالتابع - الاتجاه للانسان بوصفه أول الحضارة وآخرها وعلى أساس أن تغيير الانسان ما بنفسه ضرورى لتغيير الأشياء ولتوجيه العالم المحيط بنا والمتفاعل معنا ، الوجهة المنسجمة مع ما نرتضيه من القيم العليا أساسا لحياتنا وما نعتبره منها قواما لحضارتنا وما نستنير به من أنوارها للتثبت فى مسيرتنا نحو المستقبل الأفضل

إن الأصالة الحق لتتمثل - إلى جانب التمسك بالجذور الحضارية التى ينتمى إليها الفرد والغيرة على المقومات التى يعتصم بها من غوائل الدهر فى محاولة الفكر الحى تقييم النفس ومراجعتها باستمرار ، وتغذية المشاعر والاندفاعات بالرجوع الدائم إلى صفاء النبع الانسانى المتجدد .

وإن أصالة المرء تحسس متواصل لمنزلته الفردية والجماعية ، وسعى إلى التلاؤم مع الواقع والنضال الصادق للسيطرة عليه وللسمو به الى مستوى طموحه .

لان الانسان الحق الذى استخلفه الله فى الارض وحمله الامانة فحملها يخضع كل شئ لارادته الحرة ولا يخضع هو لأى شئ ؛ أما ما عدا ذلك فهو تخاطب مع . . الصمت

اشترك في نشرتنا البريدية