لقد كتبت فى مناسبة من المناسبات عن الثقافة التونسية وقلت: إن آفة الثقافة النسيان وان شر ما تصاب به أمة أن يتنكر مثقفوها لتراثهم ويضربوا صفحا عن كل انتاج سبقهم ويتغافلوا عن الجهود المبذولة حولهم فى ميدان الخلق والابداع وينادوا بالويل والثبور وعظائم الامور ويبقوا منساقين الى الاحكام الصارمة الانطباعية والقوالب الجاهزة التى تحركها نوازع غير موضوعية.
ولسنا من أولئك الذين يتربعون على أريكة الرضا عن النفس ويرددون فى تفاؤل ساذج: أن ليس ما كان أحسن مما كان، وأنه قد صلح الدهر واستوسقت الامور. ولكنا لسنا أيضا ممن ينعتون هذا الزمن بالزمن الخائب ويعتبرون المرحلة التى نعيشها مرحلة القحط وفترة الضحالة الفكرية. وأي معاصر لم ينعت زمنه بالنعوت السلبية اللافته للانتباه المحيرة للعقول المثيرة للأذهان؟
ذلك أن كل رجل ثقافة حق له تصوره الخاص للحياة ورؤيته الذاتية للكون ومنها ميوله واتجاهاته الشخصية نحو هذا الانتاج الثقافى أو ذاك وبالتابع له قراءات معينة واهتمامات ظرفية ومحيط يتحرك فى ارجائه ويستمرئ ردود فعله ويستطيب تأويلاته ويرتاح لتخريجاته التى تصبح عنده فى كثير من الاحيان حقائق أزلية وبدائه سرمدية.
ولكننا فى هذه المجلة - منذ ما يقرب من ثلث القرن (المجلة تدخل بهذا العدد سنتها التاسعة والعشرين) نجنح دائما الى التحليل المسؤول وننطلق من المعطيات الموضوعية يقودنا فى ذلك حرصنا على الا نتفاؤل بافراط ولا نتشاءم
بالقدر الذى يغشي ابصارنا عن حقيقة الاشياء وواقع الامور اذ نحن - بقدر ما نتفتح لكل التيارات ونطلع على كل جديد وندرس الاتجاهات فى العالم ولا نعرض عن كل رأى ((مستورد)) كان أو غير مستورد - فاننا قد خلصنا عقولا منذر زمان من الاديلوجيات لا عن جهل بها بل عن دراية ورؤية وكسرنا القوالب الجاهزة والمقولات المحنطة التى تردد بمناسبة وبدون مناسبة وجهدنا على أن نطهر نفوسنا من النوازع الشخصية المغشية للابصار وللبصائر ومضينا نصدع بآرائنا ونواكب مجهودنا الوطنى منذ الاستقلال فى الحقل الثقافى ونسجل المنجزات ولكننا الى جانب ذلك نشير الى السلبيات ونعدد الادوء ونقترح العلاج ونحاول المساهمة فى المسيرة الثقافية الوطنية.
وما حققه الشعب التونسى منذ الاستقلال الى اليوم فى الحقل الثقافى كثير وكثير وهو يتعلق بالمؤسسات الثقافية وبالمستوى العام للانتاج بصورة عامة. وبينما كانت الحياة الثقافية تقتصر على العاصمة وبعض المدن أصبحت كل مناطق الجمهورية تعج بالجمعيات والنوادى والفرق المسرحية والموسيقية والمهرجانات وتشارك فى الحركة الثقافية بما أتيح لها من وسائل بشرية ومادية وما توفر لديها من طاقات ذاتية لان الثقافة لا يمكن أن تفرض من فوق ولا بد من حد أدنى من المجهود الذى تقوم به المنطقة لمواكبة المسيرة الثقافية السائدة فى البلاد. وليس فى امكان أى ملاحظ نزيه أن ينكر انه بانتشار التعليم مشينا شوطا كبيرا فى ديمقراطية الثقافة ولا نزال نعمل من أجل هذه الغاية تركيزا للهياكل الاساسية الثقافية وتعميما للنشاط الثقافى.
ولكن البلاد التونسية لم تقتصر على هذه الناحية بل إن مجهودا عظيما يسجل بكل فخر ويتمثل فى بعث دور النشر والمعاهد العليا الثقافية والمؤسسات الاكادية التى تزخر بالطاقات الخلاقة والمبدعة وتتيح المساهمة فى الانتاج الثقافى الرفيع. ومجرد إلقاء نظرة على الاحصائيات فى هذا الباب يعطي صورة مشرقة لما يقوم به المنتجون الثقافيون من أعمال ذات مستوى مرموق.
إذا أمعنا النظر فى هذه الاحصائيات فى ميدان النشر فقط وعلمنا أن 33 دارا بين عمومية وخاصة تساهم فى النشر وأن 102 مطبعة تعمل الآن (6 مطابع تونسية سنة 1956)، وأن 385 عنوان صدر فى سنة 1982 وأن 41 مجلة دورية ثقافية تصدر عن هيئات رسمية وجمعيات وخواص (عدا ما تصدره اللجان الثقافية والنوادى) وأن ما تضمه هذه المنشورات من محتويات أدبية
وعلمية ومعرفية ليس دائما ضحلا ولا متخلفا نتأكد انه ليس هناك اى مجال للتشاؤم المفرط ولا للبكاء واطلاق صيحات الفزع.
واذا نحن نظرنا إلى فنون الثقافة الاخرى من رسم ومعمار وموسيقى ومسرح تبينا أن الانتاج ليس من الرداءة بحيث يداخل بعضنا الاسف والشجن والحزن على ثقافتنا ويركن البعض الآخر الى الاستسلام والى شحذ مركب النقص والاقبال على ثقافة الغير لا رغبة فى الاطلاع فقط - وهذا مطلوب ومرغوب فيه - بل نقمة على النفس والبلاد والعباد.
ولكن أين تكمن القضية والحال أن البلاد كلها تقوم بمجهود جبار فى هذا الحقل والمسار الثقافى يخطو خطوات شاسعة فى نطاق سياسة ثقافية عبر أغلب المثقفين فى اللجان الإستشارية أو فى الهيئات الثقافية عن مساندتهم لها؟
نعم ان السياسة الثقافية التى سنت سواء فيما يتعلق بالهياكل الاساسية الثقافية أو بالتجهيزات أو بالتكوين أو بالتشجيع على الخلق والابداع تحتاج الى وقت يطول أو يقصر لتؤتى أكلها بالصورة التى نرضاها جميعا ولكن كل ذلك أى ما تقوم به الدولة وهياكلها الرسمية وغير الرسمية لو تحقق لن يضمن للثقافة التونسية الشأن الذى نريده لها اذا لم تكتمل بعض الجوانب الهامة من القضية. وهذه الجوانب تتعلق أساسا بالخلق الثقافى وبالنقد وبدور الجامعيين فى دفع المسيرة الثقافية.
إن ما نقوم به جميعا فى التنظيمات الرسمية والخاصة من تهيئة للمناخ الطيب: حرية فى التعبير وتمسكا بروح الحوار البناء وتقيدا بالهمة الديمقراطية الحق لن يكفى اذا لم تشمر خلايا الخلق والابداع عن ساعد الجد وتتفرغ من دون أى حساب لما جعلت له رائدها فى ذلك ارضاء الهاجس الذى يعتمل فى نفوس أفرادها للسمو بالفن والاقلاع عن كل الهوامش والضرب عرض الحائط بسفساف الامور المضيعة للجهود والوقت معا خاصة وانه تقرر أن يبعث ابتداء من سنة 1984 صندوق العمل الثقافى الذى سيخصص للتشجيع على الخلق والابداع ولاثراء الساحة الثقافية بالانتاج الثقافى الرفيع التونسى والاجنبى على حد السواء.
ذلك ان كل ما نهيئه من هياكل ومن مؤسسات اذا هى لم تجد الخلاقين والمبدعين الاكفاء لا تؤتى الثمرة المرجوة وتبقى تدور فى الفراغ وترحي السأم والملل وهذا ليس موكولا لا الى وزارة الثقافة ولا الى أية مؤسسة أخرى
بل الى الخلاقين وحدهم والمنتجين الاصيلين الذين لا هم لهم ولا رائد الا ارضاء الفن الحق والهاجس الجياش فى النفوس.
ولكن هذا الجانب من القضية لن يكون ذا جدوى الا اذا تحرك النقد: النقد الادبى والفنى على السواء وانكب على الانتاج الذى تزخر به الكتب والمسارح ودور الثقافة وقاعات العروض للتقييم والتمحيص والحكم الرصين الموضوعى. إن ما درجت عليه الصحافة من تعريف بالانتاج الثقافى عن طريق الزملاء الصحافيين أمر لا بد منه وهو أساسى فى مواكبة الحركة الثقافية وفيه نفع وجدوى لا يشك فيهما لكن الذى نعنيه هو أولئك الصنف من النقاد الذين آلوا على أنفسهم أن يكرسوا أقلامهم للنقد العلمى الموضوعى لكل ما يظهر من رواية أو قصة أو مجموعة شعرية أو مسرحية أو لوحة زيتية أو أى انتاج ثقافى لا يخافون فى الحق لومة لائم ولا يستنكفون من أن يقولوا للمحسن أحسنت وللمسىء اسأت.
فمن يعرف بالضبط وبصورة شمولية قيمة ما تزخر به تونس من انتاج ثقافى. هذه القصص والروايات التى تصدر وهذه المجموعات الشعرية من يعرف قيمتها الحقيقية حتى أصحابها فانهم يحتاجون الى التقييم الصحيح النزيه ليواصلوا عملهم وبحكموا أمر خلقهم وابداعهم. وهذه الرسوم الزيتية الجميلة من انكب على تقييمها وعرف الجمهور بقيمتها؟ لا شئ من ذلك. وهذا لا يمكن أن يصنعه أى هيكل من الهياكل ولا يتسنى لأية سلطة أن تتولى امره. فهو كالخلق يتعلق بالافراد وهو تلقائى عفوي ارادلا.
بقى الجانب الثالث من القضية وهو هام أيضا ويتعلق بدور الجامعة والجامعيين ذلك أنه اذا لم تدخل الجامعة - كهيكل الحياة الثقافية من الباب الكبير واذا لم يشارك الجامعيون سواء كانوا أساتذة لغة أو طب أو هندسة أو غيرها فى العمل الثقافى تنشيطا ولم لا خلقا وابداعا!؟ فان الساحة الثقافية تبقى مفتقرة إلى عنصر هام قادر على دفع الثقافة التونسية فى المسار الذى نتمناه لها جميعا.
كل الظروف إذن مؤاتية لان تشق الثقافة التونسية طريقها فى السبيل الأقوم ومن واجب كل فرد وكل هيكل أن يقوم بدوره المطلوب منه حتى تكتمل كل حلقات السلسلة وتسهم الثقافة التونسية فى الثقافة العربية الاسلامية عن جدارة وتتفاعل مع الثقافة الانسانية تعاونا وتجاوبا وتمازجا.

