احتفلت الجامعة التونسية فى هذه الايام بمرور خمس وعشرين سنة على تأسيسها وكانت مناسبة لاستعراض كل الجوانب الايجابية التى امتازت بها هذه المؤسسة الخطيرة المولودة إبان الاستقلال .
وكل يعلم أن البلاد التونسية لم تتمكن قبل الاستقلال من أن يكون لها تعليم جامعى كما يريده أبناؤها وأن الامر كان يقتصر على وجود معهد للدراسات العليا لا يحتوى الا على السنوات الاولى من التعليم بحيث يضطر كل المزاولين الى الالتحاق فى آخر الامر بفرنسا . ثم إن طلبة الجامعة الزيتونية ما فتئوا أثناء وجود نظام الحماية يطالبون بتعصير التعليم ومع هذا فان هذه المؤسسة لم تفتأ تخرج فى فترات متعددة نوابغ لا فى العلوم الدينية فقط بل فى العلوم اللغوية وفى الادب بفنونه التقليدية والمحدثة .
وأمكن للنخبة المتخرجة من المدرسة الصادقية ومن الجامعة الزيتونية ومن جامعات فرنسا ومن الهياكل التعليمية التونسية كجمعية الخلدونية أن تشارك فى الحياة الثقافية أدبا ومسرحا وموسيقى ورسما وغير ذلك وأن تثري الثقافة التونسية بما لا تزال الجامعة التونسية الآن تدرسه وتحلله وتؤرخ له .
وهذه الظاهرة المتمثلة فى وجود حياة ثقافية زاخرة فى بلد لم يكن له قبل الاستقلال جامعة بأتم معنى الكلمة فهو أمر يلفت النظر اذا قسناه ببلدان عربية أخرى ذهبت شوطا بعيدا فى التعليم العالى مثل مصر والشام والعراق .
ويحق لنا وقد كنا نرزح تحت نير الاستعمار أن نتباهى بأفذاذ فى الشعر مثل الشابى ومصطفى خريف وأحمد المختار الوزير والشاذلى خزنه دار وأحمد خير الدين وغيرهم ، وفى النثر مثل محمود المسعدى ومحمد الخليوى والدوعاجى والطاهر الحداد والهادى العبيدى والطاهر بن عاشور والفاضل بن عاشور وغيرهم كثير ، وفى المسرح من ساهموا الاسهام الكبير فى ازدهار هذا الفن كتابة وادارة واخراجا ، وفى الموسيقى كذلك لا يمكن لنا الا أن نسجل بمداد الفخار ما قام به موسيقيونا من جهد كبير للحفاظ على تراثنا الموسيقى الفني وتطوير موسيقانا تطويرا ما زال الجمهور لا يرى غضاضة فى الاستماع اليها وتذوقها والتغني بها .
ولقد ورثنا كل هذا وأكثر ، مما لا تسعه هذه الفقرات إبان الاستقلال وكانت الجرائد والمحلات والاذاعة هى السند المتين نقدا وإشاعة ونشرا فزخرت الحياة الثقافية بما تعودته هذه البلاد فى فترات طويلة من الازدهار الثقافى وكان يحدو كل المثقفين العزيمة الفولاذية لتحدى الاستعمار وإثبات ان هذه الامة متمسكة بشخصيتها العربية الاسلامية وانها قادرة على أن تشع وتفتح أذرعها الى كل الثقافات عربية كانت أو أجنبية .
كان هذا هو المناخ الثقافى إبان الاستقلال وكان أن أذن فخامة الرئيس الحبيب بورقيبه فى اكتوبر 1956 - وهو لم يكن الا رئيس حكومة فى ذلك الوقت - المرحوم الامين الشابى وزير المعارف ليبعث للوجود دار المعلمين العليا وهى أول مؤسسة للتعليم العالى فى دولة الاستقلال فكانت نواة للجامعة التى تركزت قانونيا ووقفت على سوقها ابتداء من سنة 1958 .
وبدأت اطارات الجامعة التونسية تساهم فى الحياة الثقافية سواء بأساتذتها أو أفواج المتخرجين منها ابتداء من أواخر الستينات وانبثت هذه النخبة فى كل دواليب الثقافة سواء فى وزارة الشؤون الثقافية أو فى اللجان الثقافية أو فى النوادى والجمعيات والفرق بأنواعها واختلطت بالمثقفين القدامى
والمحدثين وساهمت المساهمة الفعالة فى تطوير العمل الثقافى وإثراء الابداع والخلق الثقافيين .
ظهرت هذه النخبة من الشعراء والكتاب والمسرحيين والرسامين والموسيقين الذين مروا جلهم بالجامعة التونسية وتفاعلوا مع المحيط الثقافى وكونوا الثقافة التونسية بما لا يمكن تقييمه فى هذا المقام .
واذا كان يحق لنا جميعا ان نحتفل الاحتفال المشهود بمرور ربع قرن على تأسيس الجامعة وان نكون بذلك قد كرمنا المعرفة والعلم والفكر وحامليها واتحنا الفرصة للمواطنين الى الشعور بالاعتزاز بهذا المكسب العظيم فانه يجدر بنا ان نقبل ( ابناؤنا بالخصوص وبالطبع ) على الخمس والعشرين سنة الآتية بكثير من التفاؤل الذى لا يصح الا اذا توجهنا الى أنفسنا بالنقد وحاولنا ان نطوى المراحل لتخطى ما لم نقدر على القيام به أثناء ربع القرن الاول .
وسأكتفى بملاحظتين اثنتين لاقدمهما لا فى مقام الانتقاد واللوم بل للعمل على تجاوزهما بقدر المستطاع نظرا الى ان الجامعة لم تزل فى طورها الاول من النمو وان المرور من مرحلة الخطأ والصواب أمر لا مفر منه . وهما يتعلقان بمساهمة اطارات الجامعة فى الحياة الثقافية وأخذ الجامعة بقسطها فى الثقافة كهيكل له خصائصه ومميزاته .
فبالنسبة الى مساهمة اطارات : الجامعة فى الحياة الثقافية نلاحظ أن المتخرجين من كلية الآداب والعلوم الانسانية والمندمجين فى الهياكل الثقافية اكثر عددا منهم الشعراء والقصاصون والنقاد والمسرحيون والموسيقيون وغير ذلك ومنهم الناشطون فى الجمعيات والنوادى والفرق أما الكليات الاخرى والمدارس العليا فان المتخرجين منها أو أساتذتها لا يخرجون فى اغلب الاحيان عن اختصاصهم فكم لنا من طبيب أو مهندس شاعر أو كاتب قصة أو مسرحية او موسيقار أو ناقد او صحافي او مؤلف ؟ يكادون يعدون على
الأصابع . والاسباب متعددة ومن طبيعة الامور ولا بد من هنا فصاعدا أن نحزم أمرنا ونوفر من بين اختصاصيينا فى الحقوق والعلوم والتقنيات من يدخل على أنواع الخلق المعروفة ومختلف الانشطة الثقافية نكهة اخرى وطعما آخر .
أما بالنسبة الى مساهمة الجامعة كهيكل فى الحياة الثقافية فهذا يعرفه الخاص والعام اذ الجامعة لم تقدر ، نظرا الى عمرها القصير والاطوار التى مرت بها ، على أن تطبع الحياة الثقافية بطابع متميز وان تخلق تيارات فنية ومدارس فكرية وأدبية فى صلب هياكلها وتنظيماتها وأن تخرج بها الى الجمهور مكتملة ناضجة قادرة على خوض غمار المنافسة مع التيارات الموجودة فى الساحة الثقافية .
إننا نعتقد أن الجامعة ستدخل هذا الطور بقوة وتعزز ما تقوم به الهياكل الثقافية الاخرى وتشع على محيطها سواء ببناء الهياكل الاساسية الثقافية التى سينتفع بها من حولها من المواطنين أو بما ستكونه من فرق مسرحية او موسيقية او نواد او مجلات يكون لها أبلغ الاثر فى تلوين حياة الجامعة ببعد لا يمكن ان تتفصى منه وفى التأثير على الحياة الثقافية عامة .
هذه بعض الخواطر اردت ان اساهم بها بصورة شخصية كفرد متخرج من هذه الجامعة فى نواتها الاولى غيور عليها متحمس لها وعاقد عليها وعلى هياكلها الامال العريضة فى دفع عجلة الثقافة فى بلادنا الدفع المحمود بعد ان خاضت المعرفة والعلم والاختصاص وانتصرت فى كل ذلك .

