طالعت في احدى المحلات الفرنسية ) * ( مقالا عن العالم " فرانسوا جاكوب " المتحصل على جائزة نويل للعلوم واستاذ علم الحياة " بالكوليج دى فرانس لم يستوقفني فيه ما اكتشفه هذا العالم من نواميس طريفة فى ميدان البيولوجيا ، والوراثة ، ولا ما اضافة من معلومات الى كنز المعرفة الانسانية المتزايد ، أو أتاحه للطب العصري من وسائل علاج جديدة ، فهو واحد من آلاف العلماء الذين لا يزالون في كافة انحاء المعمورة يسعون الى حقيقة الانسان وتكتشفون اسرار الطبيعة ، ليس هو أولهم ولا آخرهم ، وقد لا يكون أوفرهم انتاجا ولا اكبرهم صيتا ، وانما أعحبتنى الروح الرفيعة التى غمرت نفسه وانارت مسالك العمل أمامه ، والهمة القعساء التى حدث به وساعدته فى تمشياته العسيرة المضنية من احل بلوغ ما رسمه لحياته من أهداف والتزمه من مثل عليا .
انه كان طالبا في كلية الطب لما داهمته الحرب العالمية الثانية وحالت دون مواصلة دراسته ، ورغم السنوات التى " أضاعها " كجندى يقاوم بكل ما أوتى من قدرة حبوش المحور ، ورغم الجروح الخطيرة التى الزمنه الفراش اشهرا طويلة ، وقلة ذات اليد التى منعته من مواصلة الطلب فى كنف العيش الكريم واضطرته إلى ضرب من الحياة البوهيمية ، فقد تحرف وتكسب حتى انهى دراسته في الطب ، ونال اجازة في علم الحياة . وقد ادرك الثلاثين من عمره عندما قصد معهد باستور بباريس والتمس من الاستاذ " اندرى لووف " قبوله باحنا بأحد مخابر علم الحياة . فلم يجد شغورا فصمد وثابر وظل يلح فى طلبه كل نصف شهر طيلة ما يقرب من السنة حتى ظفر بضالته المنشودة
ثم إنه لم تتوفر له التسهيلات والمرافق المادية الضرورية للبحث العلمى فقنع بالحد الأدنى وعكف على البحث فى غرفة صغيرة كادت أن تخلو من كل شئ الا من حرارة الايمان وقوة العزيمة . ولم تمر أربعة أعوام حتى قدم أطروحته وتحصل على دكتوراه الدولة وفرض نفسه عالما وأستاذا ودخل " الكوليج دى فرانس " ثم فاز بجائزة نوبل وأصبح اليوم وهو فى الخامسة والأربعين من عمره قطبا من أقطاب علماء الحياة على المستوى العالمي
فما أحرى شبابنا المثقف بالتمعن فى قصة هذا العالم الكبير وقصص عشرات الآلاف من امثاله ! إن الغرب الذي يقلده الكثير من شبابنا ويقبلون عليه اى إقبال لا يصدر فقط الأزياء الغريبة والسيارات السريعة والمجون وأدب الجنس والأفلام والمسرحيات المثيرة ؛ الغرب ليس ماديا فقط كما يتسلى بذلك بعض الذين يعانون مرارة الشعور بالنقص وغصص العجز عن التلاؤم مع العصر فيلوذون بروحانيات الشرق أو يغمسون رؤوسهم فى ضباب الماضى تمسكوا بقشوره وأهملوا روحه ! وإن التمدن والتحرر والتفتح والمعاصرة . . . ليست فى استهلاك ما توفر في بلاد الغرب والغفلة عن الروح الذى سادت وتسود الرواد والباحثين والعلماء والفنيين الذين يرابطون ليلا ونهارا فى ساحة العلم ويحرمون أنفسهم من لذات الحياة العادية الرخيصة وينهكون قواهم فى سبيل المعرفة والحقيقة ويقتحمون المخاطر للفوز بما وقفوا حياتهم على نيله .
إن القضية تتمثل - إذا تصدينا لواقع شبابنا فى أنهم عندما يطالعون ما ينشر في جرائد الغرب ومجلاته أو هم يشاهدون مسرحياته وأفلامه أو يجوبون أقطاره ، لا يأخذون الا الجانب السلبي ولا ينبهرون الا بنقط الضعف التى يعتبرها مفكرو اوربا أنفسهم سوسة تنخر حضارتهم ) تذكر في هذا الصدد رأي مالرو مثلا فى ازمة الشباب الفرنسي ( بينما السعادة التي ينشدونها لا تحصل بالتقليد او مجرد اشباع الرغبات المادية أو الانسياق مع التيارات المتضاربة فى سلبية يتفاقم معها الشعور بالعجز والعقم
إن السعادة التى يطمح اليها الشباب - والمثقفون منهم بالخصوص - لا تكون إلا إذا أدركوا أن لحياتهم معني وهدفا ، وان قيمتهم في تغيير الواقع تغييرا يجعله أقرب ما يكون لتصورهم الحق والخير والعدل والجمال . . . وان الاقدام على عملية " رفض " الواقع واحكام الخطة لتطويره بالفعل لا بالقول وغرغرة الفراغ وترديد الشعارات الجوفاء ، يقتضى شجاعة وعزيمة ومثابرة وروح تضحية وصبرا على الحرمان وقدرة على مغالية الفتور والبأس . . انه التحدى
المقدس الذي كم يحتاج الشباب الى رفع لوائه مهما كان الموضوع والاختصاص : فى السياسة ، فى الاخلاق ، فى البحث العلمى ، فى الفن ، في الرياضة ، فى الأدب ، فى الطب . . .
إن الشباب حده وماهيته الأمل والمستقبل وخاصيته الأحلام البريئة السخية ؛ والمسألة تتلخص بالنسبة إلينا فى أن نحمل شابنا يحلم بالغد المشرق وينزع الى المغامرات الانسانية المنعشة ويعرف لماذا يحيا وكيف يحيا ويدفع الثمن ليحقق بعض احلامه . طالما أن السعادة - كما عرفها جان جوريس فيما أذكر - إنما هى حليم من أحلام الشباب تحققه الكهولة .
فكيف يمكن ان نكون شبابنا بحيث يرنو الى الأعلى ويحلم بمزيد الحق والخير والعدل فى هذه الدنيا ويستسهل الصعب حتى يدرك المنى ؟ كيف نساعده على الافلات من جبروت المادة وفقر الحيوانية المدقع ونصونه من انسداد الأفق فى وجهه وضياع الأمل أمامه ؟ كيف نقنعه بصحة رأي أبي الطيب القائل :
على قدر أهل العزم تاتي العزائم وتأتى على قدر الكرام المكارم
وبعبارة أدق أقرب الى واقعنا وألصق بظروفنا كيف نحمل شبابنا الطالبي على الثقة فى النفس ، والتأصل ، والإيمان بانهم قادرون كغيرهم على الابداع والاكتشافات والمساهمة فى تقدم الانسانية وازدهارها ، وانه بامكانهم رغم ضعف الوسائل وقلة التجهيز وضآلة الاعتمادات أن يجعلوا من جامعتهم منارا مشعا ومنطلقا للخلق وان يتخرج من بينهم في كل مجالات المعرفة العباقرة والأفذاذ .
كيف نربيهم ونعلمهم بحيث يطالعون المجلات الاجنبية فلا يتأثرون بما يغرى الشهوة او يثير الطمع أو يعمق الشعور بالعجز واليأس والتبعية بل يستمدون من حياة العلماء والأدباء وكبار رجال السياسة ماضيا وحاضرا القوة على الحلم وفحوله التحدى والنفس الطويل للجهاد من اجل المبدأ تلك هى المسألة التى تواجهنا اليوم والتي يحسن ان ندركها جميعا فلا نضيع فى متاهات الجزئيات والفنيات . . .
تلك هي المسألة .
