تحت هذا العنوان ، كنت أشرت فى آفتتاحية " الفكر " الصادرة فى غرة جويلية 1966(*) الى مقال حول الأدب التونسي نشره بجريدة " لومند" الباريسية بتاريخ 31 ماي 1966 السيد " دوفينيو " بعد أن درس علم الاجتماع فى كلية الآداب التونسية طيلة سنوات ، وحاول فيه - وكأنه يودع البلاد التى آوته ووهبت نفسها مادة طبعة لتجاربه الطريقة (**) - التنقيص من شأن الأدب والأدباء بهذه الديار ، معللا ذلك بآنصراف رجال القلم الى شؤون الادارة أو انغماسهم فى الافيون والمجون ، وذهب به القول الى الادعاء بأن مجلة "الفكر" غير منتظمة الصدور وانها كغيرها من النشريات التونسية لم تستقطب الكفاءات الأدبية ويقصد بذلك ولا شك بعض اصدقائه المدللين .
وحرصا على رفع الالتباس وخدمة للأمانة العلمية أرسلت فى 8 جوان 1966 " بيان حقيقة " وحيزا الى هذه الجريدة فاتصلت برد من مديرها السابق السيد " يوف مرى " يعتذر فيه عن عدم نشر هذا البيان ويلتمس ظروف التخفيف للسيد " دوفينيو " لأنه يجهل اللغة العربية واعتمد على مصادر " استبلهت حسن نيته " !
وإن الذى دفعنا - فى أسرة المجلة - الى الرد وعدم مقابلة هذا الهراء بما
يستحق من الصمت والاحتقار ، هو رغبتنا فى نشر الحقيقة والقضاء على الجهل الموروث والمتبادل بين الشرق والغرب ، والمساهمة فى تيسير التفاهم وايجاد التسامح بين الشعوب رغم الفوارق العقائدية والحضارية التى تراكمت على مر العصور ، والعمل بحق من أجل السلم والاخاء البشرى .
ولطالما تألمنا من جهل الرأي العام في الغرب ، بما فيه النخبة فى اكثر الأحيان ، للفكر العربى الاسلامى عامة والثقافة التونسية التائقة الى التحرر والتجدد والازدهار خاصة ، بسبب ما أورثته الحروب الصلبية وعهود الاستعمار من مركبات دفينة معقدة ، ونادينا بحوار نزيه يضمن الارتشاح والتلاقح مع الحفاظ على الطرافة القومية ويوفق فى آخر الأمر بين الاصالة والمعاصرة فى إطار إنساني حي ومتطور .
لذلك يسوؤنا ان تنشر " لوموند " الذائعة الصيت فى فرنسا وأكثر اقطار العالم . . - بما فيها تونس حيث يتعرف عدد من التونسين (!) على واقعهم من خلالها - ، وبعد مرور خمسة أعوام من ظهور مقال السيد " دوفينيو" الذي اعترف مديرها بقصوره وخطاه ، دراسة (؟)حول الأدب التونسي امضاها الأب " جان فونتان " (*) وهو من الآباء البيض المستوطنين بهذه البلاد منذ أمد طويل ليس له عذر جهل اللغة العربية بحيث يعرف الآداب التونسية معرفة مباشرة .
والملاحظ أن المقال منشور ضمن ملحق مخصص للتعريف بالجمهورية التونسية فى كافة المجالات ، ولفت النظر الى واقعها ومعطياتها بأمانة وتجرد فكان مفروضا ان يتحلى صاحب المقال بالموضوعية وان يتوخي اسلوب العرض الأمين ومنهج التحليل الضافي ، لا أن يبني عمله على سلسلة احكام قيم وارتسامات ذاتية اقل ما يقال فيها إنها خاطئة جائزة ، تعطى القراء صورة مشوهة براء عن واقع الأدب عندنا ، ولا تخلو من اشارات سياسية ولمزات موجهة الى النظام القائم في هذه البلاد .
وأول ما يتحفنا به الأب " فونتان " ويلفت انظارنا إليه هو ان اغلب الآثار الأدبية الصادرة بتونس مكتوبة بالعربية خلافا لما هو موجود بالجزائر والمغرب وكانه يأسف لهذه الظاهرة أو هو يرثى لحال الأدب التونسي الذي لم ينتج " أقلاها " فرنسية رغم كل الجهود المبذولة والمخططات المرسومة !
ولم يحاول - لضيق المجال طبعا - التعريف بجذور الأدب التونسى او الوقوف عند أهم مدارسه وآتجاهاته وخصائصه قبل الاستقلال ولا تبيان
وظيفته فى إيقاظ الضمير الوطني أو عكسه للذات القومية المكيلة بأصفاد الاستعمار أو تغنيه بالحرية والكرامة وتبرمه من نظام الحماية الخانق بل بدا مقاله بالتنبيه الى أن الإنتاج الأدبي اعتراه الفتور بعد الاستقلال - إذن وجد هذا الانتاج ! - ثم نشط ابتداء من 1961 وانطلق بحق منذ 1968 .
واكتفى الأب " فونتان " بذكر الدار التونسية للنشر كعامل لهذا الازدهار ونسي أو تناسي المجهود الجبار الذى بذلته الحكومة التونسية منذ الإستقلال فى سبيل نشر التعليم وديمقراطيته كما غفل عن المناخ الأدبي الذي عملت على خلقه وزارة الثقافة والمنظمات القومية وعلى رأسها الحزب ، وكانه اعتبر الاصداع بهذه الحقائق الموضوعية ضربا من الإطراء لا يليق بأديب تقدمي (؟) ... شعاره الرفض ثم الرفض ! الرفض دائما!!
وأبى الأب " فونتان " إلا ان يصور هذا الأدب توترا بين نزعتين متقابلتين : التقدمية والرجعية وانتخب من انتاج بعض الادباء الشبان رغم غزارته وتنوع أغراضه وأساليبه ما يبدو فى مضمونه تحديا للمقدسات الاسلامية وفي شكله طعنا للغة الضاد وفي اتجاهه تنكرا للكفاح القومى ، وتصور حربا ضروسا بين هؤلاء الرواد القلائل وغيرهم من حملة القلم آلت فى اخر الأمر الى هزيمة " الرجعيين " فانطلقوا تفاديا لما فاتهم ... يناضلون من أجل التعريب ويلتمسون الانتقام بربح معركة التشهير بالتزوج من الاجنبيات ! ولم يذكر - طبعا - ولو أديبا واحدا عالج هذه القضية في انتاجه ، ولا اعرف شخصيا قصيدة ولا قصة أو مسرحية تناولت هذا الموضوع !
وهلا اتمالك عن الاعتقاد بان الأدب التونسي ليس هو المقصود بالدراسة وانما كان طريقا الى التعرف الى مدى تغلغل نوع من الثقافة الفرنسية والفكر الغربى عامة فى نفوس الشباب التونسي المثقف والاطمئنان الى "ولائه" الروحى والحضاري .
وكنا نقابل هذا "الخيال" العارم بالإبتسام لو لم يتخلص منه الى نتجتين : أولاهما أن انتاج هؤلاء التقدميين المجددين المصطبغ في نظره بالتشاؤم والمتحلل من اللغة الكلاسيكية إنما يعبر بذلك ومن أجل ذلك عن قلق دفين منشؤه ضيق بالمجتمع الذي يعيشون فيه من دون ان يتجاوبوا معه لأن " الأفق مسدود بسبب احتلال غيرهم ، ممن لا يفوقونهم كثيرا فى السين ، لكافة مناصب المسؤولية فى بلاد حديثة العهد بالاستقلال . . . " ولأن " تردد النظام القائم فى الحياة السياسية لا يساعد على استقرار المجتمع الذي يحاول الكتاب الشبان أن يطفوا على أمواجه " فكان تقدمية الأدب أصبحت تتمثل فى تحدى مقومات الأمة من لغة ودين وعادات ٠٠ والتمرد على النظام
السياسي القائم ومن اليسير طبعا الرد على كل من يناقش هذه النظرة ... التقدمية الى الأدب التونسي بأنه رجعى منغلق . . مطالب بالتعريب ! مناد يمنع التزوج من الاجنبيات !! ألم يقل المثل الفرنسى : من أراد القضاء علم كلبه غرقا . . . بالكلب " !؟
وثانيتهما هو ، حسب قوله ، أن الأدب التونسي الفتى يبتعد شيئا فشيئا عن النماذج العربية الشرقية التى لا يزال فى غالب الأحيان يستلهم منها الكلاسيكيون الجدد أنفسهم وحبهم (يا لوقاحتهم !! ) .... وان الدليل على ذلك قد نستمده من زوال الكتبيين القدامى شيئا فشيئا من المدينة العربية !! ويضيف صاحب الدراسة وكأنه بلغ شاطئ النجاة : " ان تونس اصبحت اليوم تتجه بأنظارها نحو الشمال خاصة ، وبعبارة أدق ، نحو فرنسا ... وإن الكتاب الشبان يستمدون إلهامهم من الاتجاهات فوق الواقعية وبذلك يتصلون بكبرى الاتجاهات الفنية المعاصرة " .
وهكذا يفلت الأدب التونسي من مخالب الرجعية المطالبة بالتعريب ومنع التزوج بالاجنبيات ويتجه نحو الشمال . . كدت أقول نحو الوطن الأم ! رغم استعماله (المؤقت ؟ !) للغة العربية ! ورغم أن الكتاب التونسيين (يا للتخلف ! ) لم ينتجوا بالفرنسية على غرار زملائهم المغاربة والجزائرين !
وإنى لأتساءل بعد هذا كله عن الدواعي التي حملت الأب " فونتان " الى توخى هذا المنهاج الخاطئ والتزام هذا الاتجاه الغريب !
هل يؤمن حقيقة بما يقول ؟ هل أثرت عليه بعض " الصداقات " الأدبية فحجبت عنه شجرتها غابة الأدب التونسي العميقة الجذور المترامية الأغصان الوارفة الظلال ؟
أم هل أصيب هو ايضا بعقدة التصاغر ازاء بعض المذاهب المنتحلة للتقدمية والمتشدقة باليسسارية فأبى إلا الظهور بازائها فى مظهر التقدمي المنسجم مع تطور العصر ؟
أم هو أدرك أن الغرب لا يرضى إلا على الدراسات التي تظهر آداب الشعوب حديثة العهد بالاستقلال فى مظهر الانتاج المقطوع عن اصله المتنكر لمقوماته المقلد لاتجاهات " الشمال " وتياراته فأراد أن يطمئنه ويستجيب لما كان ينتظره منه ؟
ولا يقولن احد أن حسن النية متوفر فليس هذا ما يعنينا . إن المراد لا يبرر الايراد ! الذي نأسف له هو ان هذه الدراسة مهما كانت نية صاحب المقال - ولعلها تكون خالصة لله لا لقيصر ! - أساءت للأدب التونسي وأساءت للبلاد التونسية وأسأت بالخصوص للحقيقة والواقع ، وانها تباعد - ولا تقارب - بين الأمم لأن الصداقة الحق لا تتوطد ولا تعمق ولا يكتب لها الدوام إلا إذا أرسيت قواعدها على التقدير المتبادل واحترام الشخصية والطرافة الوطنية .
ونحن إذ نبين تهافت هذه الدراسة لن نرد على الأب " فونتان " فى تخيله لهذه " الفتنة الأدبية الكبرى " ببلادنا لأن ما لا نزال ننشره منذ ستة عشر عاما - وفى مقدمته انتاج الشبان الذين حشرهم في زمرة " التقدميين " الشاهرين سلاحهم على اخوانهم ... " الرجعيين" .. ليعتبر خير رد وأقوى دليل على أن الأديب التونسي ينظر أولا الى مجتمعه ويستمد منه ويخلص له وانه مع ذلك غير متتوقع داخل حدوده بل ينظر كبفية الكتاب فى العالم الى ما حوله - شمالا وجنوبا ، شرقا وغربا - لا ليذوب أو يتفسخ أو يقلد تقليدا أعمى بل ليتلاقح ويتصادى ويتناغم لأنه يؤمن بالإنسانية الحق ويعرف ان القومية السليمة الأصيلة هي طريقها الأوحد وغذاؤها الأمثل .
ونقول - لا للأب فونتان الذي قد يكون ضحية هو نفسه - بل لكل الذين يظلمون الأدب التونسى ، ولكل من " يشتهوننا " ويريدوننا اتباعا لهم وأذننا :
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وان نكف الأذى عنكم وتؤذونا

