الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ حول الإشعاع الثقافي

Share

فى 19 أكتوبر 1982 أقيم بباريس معرض هام أطلق عليه اسم : " من قرطاج إلى القيروان ألفا سنة من التاريخ " وقد تضافرت جهود الدولتين التونسية والفرنسية بعمل دائب دام أشهراً من قبل المسؤولين عن الآثار فى المعهد القومي للآثار والفنون بتونس وإدارة المتاحف بفرنسا فأخرجوا للجمهور الفرنسي معرضاً فى جمال تنسيق تحفه وسلامة ذوق هندسته ما جعل الآلاف من الزائرين يؤمونه ويتملون فيما صنعته أيدى الحضارة بالبلاد التونسية منذ سحيق الأزمان .

ولم يكن الأمر يقتصر على هذه الناحية الفنية بل إن لهذا المعرض أبعاداً سياسية وثقافية إن لم نقل أقتصادية أو أكثر ( ربما سيوفر للجانب الفرنسي مبالغ تسدد قسط المصاريف التي كان صرفها ويحث الفرنسيين على زيارة البلاد التونسية للسياحة والتعمق فيما رأوه ) . وتجلت الناحية السياسية فى تحول الوزير الأول التونسي الأستاذ محمد مزالي إلى باريس لتدشين المعرض مع نظيره الفرنسي وحضور ثلة من المسؤولين التونسيين والفرنسيين . وكان للخطاب البليغ الذي ألقاه الأستاذ محمد مزالي (سننشره في العدد القادم) أثره إذ أشار فيه إلى المعاني السياسية الخطيرة التى تبرز فى مثل هذه التظاهرة وتخدم التقارب بين البلدين . كما ظهرت الناحية الثقافية في تعرف الفرنسيين واكتشافهم لثقافة بلد صديق تمكن لأول مرة أن يكون حاضراً

بباريس بهذه الصورة وأن يكشف عن كنوز حضارته عبر العصور فى فترات التأثير المتعددة الفينيقية والبونيقية والرومانية والبيزنطية والعربية  الإسلامية .

وليس الغرض من الحديث عن هذه التظاهرة وصفها أو تقصى أبعادها ولا الإشادة فقط بالحفاوة التى لقيها هذا الحدث من الوزير الأول الفرنسي ومن شيخ مدينة باريس ولا التأكيد على المساعدة المقدمة من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بل أن ما أردت إبرازه هو التعمق فى معنى التعاون الثقافي أو ما يمكن أن نسميه الإشعاع الثقافي لشعب من الشعوب .

ولزيادة البيان فإنه لا يمكن ألا نذكر حدثاً آخر له نفس الأهمية الثقافية وهو انعقاد الدورة التاسعة لايام قرطاج السنمائية وهي تظاهرة هامة لأنها تتيح الفرصة للسنمائيين العرب والأفارقة للتعارف وعرض إنتاجهم والتعريف به وحل كثير من مشاكل التوزيع والإستغلال والتداول فيما يجب أن يكون عليه الخلق والإبداع فى هذا الفن .

وقد اكتست هذه الدورة أهمية كبرى لأن عدد الأفلام كان كبيراً ( وصل إلى مائة فلم ) ولأن جمهوراً كبيراً من السنمائيين العرب والأفارقة ومن العالم الثالث وعدداً مرموقاً من الكتاب والصحافيين من العالم بأجمعه حضر هذه التظاهرة فأخذت أبعاداً دولية هامة ولفتت انتباه الأوساط الثقافية في العالم شرقاً وغرباً وبينت أن التعاون بين بلدان العالم الثالث في هذا الميدان ممكن رغم هيمنة القوى الاقتصادية الكبرى ونفوذ الثقافات الغالبة ومحاولة احتكارها لكل ما له شأن وتأثير فى الساحة الثقافية الدولية

بهاتين التظاهرتين الهامتين المدرجتين في إطار التعاون الدولي يتبين ما للتعاون الثقافي من تأثير بالغ في العلاقات بين الشعوب والدول وما ينجر عن ذلك من فوائد جمة اقتصادية وسياسية خاصة .

ولكن هذا يجرنا إلى التعمق أكثر في معان يجب التأكيد عليها وإشاعتها والتنبيه إلى خطورتها وأثرها فى كل ما نقوم به من عمل ثقافى مشترك بين

الدول . فمن هذه المعانى أن لا محلية ولا إقليمية للثقافة إذ هي يجب أن تكون حقاً مشاعاً بين الجميع وإفرازة الحضارة الانسانية بأكملها رغم الخصوصية والنوعية .

ذلك لأن الحضارات التى عرفتها تونس منذ القديم من لوبية وفينيقية وبونيقية ورومانية وبيزنطية وعربية إسلامية وفرنسية أعطت ألواناً من إنتاج الفكر البشرى أتخذت خصوصية معينة وانصهرت فى البوتقة الثقافية للبلاد وتميزت بميزة أضفت عليها مسحة خاصة وجعلتها نمطاً فريداً ولكنها رغم ذلك تبقى التراث المشترك لحضارة البحر المتوسط وللحضارة العالمية والقاسم الجامع لكل ما سعى إليه الإنسان ليوجد كمال إنسانيته وليكون خليفة الله في الأرض . فبقدر ما يعتز التونسي بجهد أجداد أجداده في هذه الديار لما صنعوا من حضارات فإنه يجب بأن يعتز بأن ذلك في الواقع لم يكن إلا حلقة من سلسلة متماسكة الحلقات لجهود أقوام أخرى تفاعلوا معهم وأخذوا عنهم بالسلم تارة وبالحرب أخرى بالتحدى طوراً وبالتكامل حينا آخر . وهذا دليل على أن الثقافة لا تزدهر إلا بالتلاقح وبالتعاون وبالإشعاع ، الإشعاع الذى لا يكون غلبة وتأثيراً غازياً بل الإشعاع المتبادل ، أخذاً وعطاءً ، مداً وجزراً وإلا كان هيمنة وغزواً بشعاً لا ينشأ عنه إلا القهر والحقد والضحالة .

لهذا فإن النظرة القديمة التي كانت سائدة عند الدول الإستعمارية والتي ، للأسف ، ما زالت تعشش فى أدمغة بعض مسيري الدول القوية الغنية والقائلة بأن الحضور الثقافي والهيمنة الفكرية من شأنها أن تخدم مصالحهم أصبحت بالتجارب العديدة لا نصيب لها من الصحة وخاصة فى عالم اليوم الذي تقاربت فيه المسافات وزالت غرابة الأشياء بالوسائل السمعية البصرية مهما بعد شأوها وأختلف مظهرها . ذلك أن كل ثقافة تريد أن تهيمن باللغة أو الفن وتكون لنفسها بوتقة خاصة بها يكون رد الفعل عكسياً ويصبح التمازج المأمول بعيد المنال بل أن ذلك يحفز على التقوقع والانكماش ووضع الحواجز مما ينشأ عنه تقهقر التفاهم والتعاون الحقيقيين .

أما إذا كان الإشعاع متبادلاً والتعاون من قبيل تعاون الند مع الند فإن الأبواب تفتح والنفوس تصبح أكثر قابلية والعقول تتهيأ لكل ما من شأنه أن يقرب الأطراف ويمهد لأن يغنم الجميع الغنم الأكبر . وإن المثال الذي يحتذي اليوم فى هذا الباب هو ما يتم فى البلدان الأوربية من تعاون فى كل الميادين وخاصة الثقافية منها : فى الادب والمسرح والرسم والسينما وغيرها من الفنون بل إن هذه الدول لها ميثاق ثقافي يضع الأسس لهذا التبادل الحثيث الذي سيقضى أساساً على ما كان بين هذه الأمم ، على اختلاف لغاتها وعاداتها ، من شحناء وحقد وتحد .

وهكذا فإن ثقافة بلد ما لا تزكو إلا بنمو ثقافة البلد الآخر وتفاعلهما وإنصهارهما وتراشحهما وهذا يصح بالنسبة إلى البلدان العربية ذات الحضارة الواحدة واللغة الواحدة إذ لا يمكن أن يكون إنتاج ثقافي فى بلد عربي ما وتكتمل أبعاده ويؤتى أكله إلا إذا لقى فى البلدان العربية الأخرى لا الرواج فحسب بل رد الفعل الإيجابي من الإنتاج المقابل فيكون بذلك التكامل والتناغم ويكون إزدهار الثقافة بصورة عامة .

وهذا لا يقتضى فقط تغيير النظرة بل يستلزم الانكباب على حل المشاكل العملية التى يمكن أن نغير بها الواقع ولا نقدر على ذلك إلا فى اليوم الذي ينكب فيه مؤتمر قمة عربي على الميدان الثقافي ويتخذ القرارات الكفيلة بالخروج من الوضع الذي نحن فيه ولا يكون ذلك إلا برسم خطة عالمية للتعاون الثقافي بين العالم أجمعه حتى تزول الحواجز ونقل الفوارق العدائية بين الحضارات والثقافات .

اشترك في نشرتنا البريدية