الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ, حول اليوم العالمي لحقوق الانسان

Share

احتفل العالم فى العاشر من ديسمبر 1982 باليوم العالمى لحقوق الانسان وشاركت وسائل الاعلام بتونس فى هذا الحدث مشاركة طيبة وأحببت - مساهمة من المجلة فى هذا الموضوع - ان أفرد فصلا ، أعالج فيه - حسب وجهة نظرى - أهم النقاط التى من الواجب إبرازها فى هذا المجال مؤكدا مرة اخرى ، كما بينه مرات عديدة الاستاذ محمد مزالى مدير هذه المجلة بدقته وبلاغته المعهودتين ، إن الآراء المعروضة على صفحات "الفكر" لا تلزم إلا صاحبها وهى الى ذلك لا تعبر عن وجهة نظر رسمية مهما كانت الا فى حالتى الاشارة والتأكيد ولا تصدر عن صفة الكاتب الرسمية إلا فى صورة ذكرها وذلك حتى لا يقع الخلط فى اذهان القراء الكرام وحتى تبقى المجلة كما عهدها محبوها والمقبلون عليها ملتقى للافكار والآراء ومحكا للتجارب والاتجاهات مهما كانت لا تشترط فى ذلك الا المستوى محتوى وشكلا ودرجة من النضج الفكرى والأبداعى بعيدة عن كل خلط فى الذهن أو هوس ناتج عن التذبذب الفكرى أو حماس مفرط أهوج أو طفرة عاثرة أو نزغة من نزغات النفس الحاقدة ، المضلة المضللة ، الكافرة بالقيم .

احتفل العالم اذن بحقوق الانسان وعرف الناس جميعا ان اغلب الدول صادقت على الاعلان العالمى لحقوق الانسان والاتفاقية الدولية بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية وبرتكولها الملحق .

فبموجب الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسة " تتعهد الدول المصادقة بحماية شعوبها بالقانون ضد المعاملة القاسية وغير الانسانية والمتسمة بالمهانة وتقر حق كل كائن بشرى فى الحياة والحرية والامن والحياة الخاصة للشخص وتحرم الاتفاقية العبودية وتضمن الحق فى محاكمة عادلة

وتحمي الاشخاص ضد الاعتقال أو الحجز التعسفى وتقر حرية التفكير والضمير والديانة وحرية الرأى والتعبير وحرية الارتباط بالآخرين " .

" اما اتفاقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فتحمل الدول المصادقة على أن تقر بمسؤوليتها فى توفير ظروف معيشية افضل لشعوبها وتقر بحق الشخص فى العمل والاجر العادل والامن الاجتماعى ومستويات للحياة فيها الكفاية والحق فى الصحة والتعليم والتحرر من الجوع وتتعهد كذلك بكفالة كل شخص فى تشكيل النقابات العمالية والإنضمام اليها " .

و" تعكس مواد الاتفاقية بصفة عامة الحقوق التى نص عليها الاعلان العالمى لحقوق الانسان مع الاشارة الى أن هناك نصا رئيسيا لم يرد على أية حال فى الاعلان ، وهو حق الشعوب فى تقرير المصير والتمتع من ثرواتها ومواردها الطبيعية والاستفادة منها بصورة كاملة وحرية تامة " .

وإن معرفة الافراد والجماعات بهذه الحقوق أصبح اليوم من الامور الحتمية وانه لا تقدم ولا نهضة فى العالم أجمع الا اذا تم ضمان هذه الحقوق . اذ لا يكفى الوعى بها بل من الواجب الحرص على تطبيقها وهذا يتطلب شروطا عديدة وتعمقا فى معانى حقوق الانسان ومتفرعاتها .

وإنى - مساهمة فى هذا الدرس الذي يجب أن يستمر وبتواصل - أردت ان أؤكد على محاور ثلاثة قد تنير الطريق وتحصل منها فائدة .

فللحور الاول يتعلق بالجدلية الموجودة بين الحق والواجب أو إذا احببنا التوضيح وهروبا من كلمة "جدلية" التى اصبحت تدل على أشياء عديدة نقول : العلاقة المتينة بين الحق والواجب ، فقد أعي بحقى فى ميدان من الميادين مثلا فى الحرية أو فى التعليم أو غيرهما وأنافح من أجله وأدخل فى صراع مع الآخر سواء كان فردا أو جماعة أو سلطة ولكن هذا الحق لن اناله اذا كان الطرف المقابل لا يشعر بواجبه فى الاعتراف بحقى فهو مثلا يتمسك بحقه فى حرية التعبير عن راية ثم هو فى الآن نفسه يحد من هذه الحرية بالنسبة الى الطرف المقابل ( كما نجد ذلك فى مناسبات عديدة أثناء الاجتماعات سواء منها السياسية أو النقابية أو حتى الادبية والفكرية ) فالواجب يقتضى ان يمكن صاحب الحق ، اذن غيره من هذه الحرية .

فالقضية الشائكة اذن فى عالمنا اليوم ليست فقط فى الوعي بحقوق الانسان والاعتراف بها بل فى ربطها بواجبات الانسان نحو نفسه فى بعض الاحيان وغيره من الناس والمجتمع أيضا ، ومشكل المشاكل فى البلدان النامية وحتى

المتنامية احيانا انه لا يكمن فى ممارسة الحقوق التى ضمنت جلها الأنظمة الديمقراطية بل فى واجبات المواطن نحو نفسه ونحو اسرته ومجتمعه والبشرية .

واذا كان ، هذا المشكل قائما فى البلدان النامية فبالاحرى ان نجده حادا فى البلدان المتنامية باعثا على الحذر والتخوف ذلك أنه كثيرا ما يغلب على المواطنين المطالبة بحقوقهم بكل إلحاح من دون الشعور بأن ذلك يفرض فى الواقع واجبات لا مفر منها بغيرها لا تتحقق هذه الحقوق . ولهذا فقد نصت هذه الاتفاقيات على بنود تؤكد ذلك ولم يتعرض لها المعلقون ولم يبرزوها ورأيت من واجبى أن اذكرها حرفيا للتدبر والتفكر .

فلقد ورد فى المادة التاسعة والعشرين من الاعلان العالمى أنه " على كل فرد واجبات نحو المجتمع الذى يتاح فيه وحده لشخصيته أن تنمو نموا حرا كاملا " . وأن " الفرد يخضع فى ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التى يقررها القانون فقط لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والاخلاق فى مجتمع ديمقراطى " .

وجاء فى المادة 19 من الاتفاقية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية انه " لكل فرد الحق فى حرية التعبير " وان هذه الحقوق "ترتبط ممارستها بواجبات ومسؤوليات خاصة وعلى ذلك فانها قد تخضع لقيود معينة ولكن فقط بالاستناد الى نصوص القانون التى تكون ضرورية من أجل احترام حقوق الآخرين وسمعتهم ومن أجل حماية الامن الوطنى أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق " .

اما المحور الثانى فهو يتعلق بحقوق الانسان والاسلام اذ أن هذا الموضوع لم يقع التعمق فيه وإن أشير اليه فى عدة مناسبات وعندما نتحدث عن الاسلام فاننا نفرق بين المبادئ والقيم التى أتى بها الدين الحنيف وبين ما قام به المسلمون خلال أربعة عشر قرنا من أعمال بعيدة أحيانا عن التقيد بهذه المبادئ والقيم .

ومما لا شك فيه ان الاسلام هو الذى حدد أكثر من غيره من الاديان والمذاهب حقوق الانسان ووضح هذا الصراع الدائم بين السلطة والحرية وبين موقفه من الحريات العامة وحقوق الإنسان وتناول بالتحقيق والتطبيق الحقوق الاقتصادية خاصة .

وليس فى الامكان التعمق بالنسبة الى هذا الموضوع فى هذا الحيز الضيق وانما الذي أريد تأكيده انطلاقا من الفكرة الاولى هو أن "علماء الاصول قرروا أن كل حق فردي مشوب بحق الله الذى يتضمن المحافظة على حق الغير فردا كان او جماعة وأن المحافظة على حق الغير لا يكون بالامتناع عن الاعتداء فقط بل وعن استعمال هذا الحق اذا ترتب عنه ضرر بالغير " ولهذا " وضع الفقه الاسلامى أصلا  واحدا جامعا وضابطا للحرية وقيودها وحدودها تشترك فيه كل فروع القانون ، وهذا الاصل يطلق الحرية للانسان ما لم تتصادم مع الحق أو الخير أو المصلحة العامة " ( 1 ) .

وفيما يخص المحور الثالث فان الفكرة التى تراودنى هى ما كنت كتبته بالنسبة الى الاحتفال بالدخول فى القرن الخامس عشر هجرى وبينت أن قضية العالم اليوم هى - لا محالة - فى الاعتراف بحقوق الانسان ولكن القضية الكبرى حتى بالنسبة الى الامم العريقة فى الديمقراطية هي فى استفحال عبودية الانسان وتنكبه عن العبادة الحق " إذ أن الإنسان فى المجتمعات المتقدمه الحالية يرزح تحت كابوس الحياة المادية التى أضلت روحه وتركته عبدا لجهنمى التنظيمات والتصرفات التى تقيد حركاته وتكيفه كما تشاء ، وكذلك الانسان فى كثير من المجتمعات التى تجد للخروج مما ران عليها فى عصور الانحطاط فانه ينوء تحت عبودية الفقر والجوع والمرض والحكم المطلق " ( 2) والجهل والقيم البالية والنفس الامارة بالسوء والشر .

هذه بعض الافكار التى عنت لى فى هذا اليوم العالمى لحقوق الانسان اترك للقارئ الكريم المجال ليتدبر فيها وإن طاب له أن ينقدها فصفحات المجلة مفتوحة له .

اشترك في نشرتنا البريدية