الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ, ظاهرة العزلة الفكرية، بين المشرق والمغرب

Share

إذا أصبح التعاون الثقافى بين الشعوب ضرورة حتمية فى النصف الثانى من القرن العشرين ، حيث قربت أجزاء العالم بعضها من بعض وتيسر الاتصال ، الآنى والمباشر بين كافة أجزائه بفضل العلم الحديث ومعجزات التكنولوجيا ، وآقتنعت البشرية أكثر من أى وقت مضى بأن السلم والوئام والمحبة بين بنى الانسان فى كافة انحاء المعمورة مشروطة خاصة بمزيد تقدير الأمم المتبادل لقيمها الحضارية والروحية ، على أساس أن الفروق ليست بالضرورة عناصر تباعد أو بغضاء ، بل أصبحت عامل تكامل وتمهيد الى تجاوز إيجابى خلاق ، فانه من باب أولى وأحرى أن تدرك الشعوب العربية الاسلامية - إلى جانب ما يتميز به كل شعب منها فى الوطن الأصغر من خصائص وملامح - ما يجمع بينها - فى نطاق الوطن الأكبر وعلى امتداد الزمان والمكان - من أواصر الملة ووشائج القربى بوصفها منتسبة - جميعها - الى حضارة عريقة واحدة كريمة المعدن ، إسلامية الجوهر ، عربية اللسان ، إنسانية الاتجاه والغاية .

ولطالما تألمنا فى هذه المجلة مما أورثته عصور الانحطاط وخلفه الاستعمار فينا - نحن معشر الشعوب العربية الاسلامية - من تمزق فكرى وتشتت ثقافى ، وما نتج عنهما من جهل بعضنا لبعض أدى الى سوء التفاهم والتجافى أحيانا والى اللامبالاة السلبية أحيانا اخرى .

ولاحظنا اكثر من مرة - أن هذه العزلة الفكرية والأدبية من جانب واحد فى غالب الاحيان ، إذ رجال الثقافة فى تونس وفى بلدان المغرب العربى الكبير عامة ، وخلافا لموقف زملائهم بالمشرق ، متفتحون - ماضيا وحاضرا - على المشرق العربى ، متطلعون الى ما يؤلفه وينشره علماؤه وادباؤه ، متتبعون بكل شوق ولهفة لنشاط حركته الثقافية ، بل إنهم زاهدون أحيانا فى إنتاج ذويهم ، لا يكترثون به ولا يمدون ابصارهم إليه إلا إذا شهد له شاهد من

الشرق كما حدث بالنسبة لأبى القاسم الشابى عندما نشرت مجلة "أبولو" نماذج من شعره من نحو أربعين سنة .

لذلك لا يفوتنا أن ننوه بالمقالين اللذين كتبتهما بجريدة " الاهرام " القاهرية ( عددا 12 فيفرى و 5 مارس 1971 ) الأديبة الكبيرة الدكتورة بنت الشاطئ تحت عنوان " بين المشرق والمغرب " إذ لاحظت بكل صراحة ظاهرة العزلة الفكرية الشاذة التى حجبت عن المشرق جديد المغرب الكبير فى الفكر والأدب وانكرت ، فى تواضع وأمانة علمية يشرفانها ، أن تكون " هذه الظاهرة طبيعية محكومة بمنطق دورة الازدهار الفكرى ، يصل إلينا مدها فيجد المغرب ما يأخذه منا ، ولبس لديه ما ناخذه " مضيفة " أننا ( فى مصر ) لا نعرف ما لدى المغرب لكى نحكم عليه " ومتسائلة " فهل تكون ظاهرة العزلة من جانبنا مظهر عقدة تفوق موهوم تجعلنا نأخذ موقف المصدرين لبضاعة القلم ، لا المستوردين فيقرأ لنا غيرنا ولا نقرأ له ؟ " .

وتتأمل الكاتبة المصرية هذا الواقع فاذا بها تكتشف " ازدواجا غريبا " فى موقف المشرق وتقول : " فبقدر ما نزهد فى الفكر العربى لأقطار شقيقة ، نتهالك على استيراد البضاعة الغربية هزيلة أو قيمة ونباهى بما نقرأ لأدباء الفرنجة قدامى ومحدثين " وتضيف : " فالمس إذن ليست فى كوننا لا نقرأ ، وإنما هى فى زاوية رؤيتنا لعالم الفكر ، تتجه بنا نحو الغرب فلا نتصور أن فى الدنيا كتابا جديرا بأن نقرأه غير مستورد من الخارج ! . . ومن هذه الزاوية الضيقة الحادة التى انحصرت فيها رؤيتنا استطاع بعض أدباء المغرب الكبير أن يصلوا إلينا فى أعمال لهم لم تكن لتعبر حدودنا لولا أنها حاملة جواز المرور من اوربا !! " وهى تقصد بذلك الأدب المغربى الفرنسى اللغة الذي نشر بفرنسا خاصة .

فالعقدة بالنسبة لأدباء المغرب - كما تقول الكاتبة - هى " انهم يكتبون بالعربية ، فتحرمهم لغتنا القومية بصمة التأشيرة الاوروبية التى يعبر بها الكتاب إلينا " .

ليست المسألة إذن قضية مستوى أو امكانيات مطالعة بل هى عقدة موروثة يتعين تظافر الجهود لحلها بمزيد التوعية وتنشيط الاعلام ومضاعفة الاتصال والتعاون وإحكام مسالك التوزيع وطرق التعريف والاشهار.

وإن العمل الذى قامت به الدكتورة بنت الشاطئ التى تدرس الآن بالمغرب

الأقصى الشقيق جليل وعظيم الفائدة ، فقد اكتشفت اصالة المغرب العربى وغزارة إنتاجه الثقافى وفضل رجاله فى تكوينها وتكوين أجيال مثل جيلها بمصر فقالت بدون تردد : " أذكر أنى ما كدت أتخطى عتبة الكتاب حتى كان اكثر الزاد العقلى الذى تلقيته فى مدرستى الاسلامية من تراث علماء المغرب ، ابتداء من متن الشاطبية فى التجويد والاجرومية والألفية فى النحو ، ومحكم ابن سيده ومخصصه فى اللغة ، وجامع القرطبى فى التفسير ، واستيعاب ابن عبد البر فى طبقات الصحابة . . وشفاء القاضى عياض فى السيرة ، وفصل ابن حزم فى الملل والنحل ومقدمة ابن خلدون فى الاجتماع وتهافت التهافت وفصل المقال لابن رشد فى الفلسفة وفتوحات ابن عربى فى التصوف ، ومدونة سحنون ومحل ابن حزم فى الفقه والاحكام ، وتحفة الفاسى فى التوحيد واعتصام الشاطبى واحكام ابن حزم فى الأصول . ومعها من تراث المغرب فى الأدب وتاريخه عمدة ابن رشيق وذخيرة ابن بسام وزهر الآداب للحصرى ونفح الطيب للمقرى ورسائل الانتقاد لابن شرف القيروانى ودواوين الأعلام من شعرائه الذين رجعت آفاق وطننا روائع قصائدهم وشجى موشحاتهم من امثال الحسن بن هانئ الاندلسى وابن زيدون وولادة ، وابن شهيد والاشبيلى وابن زهر . . . كل أجيال الطلاب أخذوا عن علماء المغرب فى العربية والاسلام وكل الدارسين الاسلاميين وجدوا فى التراث المغربى ، الاندلسى منه والتونسى والجزائرى والمراكشى ، مصادر أصيلة لما يشتغلون به من حديث وتفسير وفقه وأصول ولغة ونحو وبلاغة وأدب ومنطق وفلسفة وتاريخ واجتماع . . . " .

فعسى أن ينحو منحاها عدد كبير من رجال الفكر والأدب فى مصر والعراق ولبنان وسوريا وغيرها فيقبلوا على إنتاج الادباء والمفكرين المغاربة ويعرفوا به ويمتنوا بذلك صلة الرحم بين شعوب يجمعها ماض مشترك وتشدها الى المستقبل آمال واحدة فى الرفعة المعنوية والازدهار الشامل والحياة الحرة الكريمة .

وإن التزاور والتعارف من أيسر السبل واكثرها فائدة ولو لم تسافر الدكتورة بنت الشاطئ إلى الأندلس وبلاد المغرب العربى الكبير لما " التفتت " الى تراثنا ، فهى تقول : " ولم يكن هذا التراث المغربى زادا لى بوجه خاص بل هو عام لكل تلاميذ المدرسة الاسلامية ، يصحبهم على امتداد دراستهم من المرحلة الأولى إلى آخر مراحل التعليم وإن لم يلتفتوا ، فيما أظن ، إلى أن جمهرة معلميهم من علماء المغرب الكبير . وكذلك لم ألتفت إلى هذا حتى رحلت إلى

الأندلس فى صيف 1947 فذكرت علماءها ثم تتابعت رحلاتى العلمية فى السنوات العشر الاخيرة إلى الجزائر والمغرب فأنستنى أطياف الذين علمونى , وأرهفت شعورى بالولاء العقلى للبيئة التى كانت لى مدرسة ومعهدا . . . " وإنه لعمل طويل تقتضيه طبيعة التوعية إذا أريد بها حل العقد النفسية وتطهير العقليات مما ران عليها طيلة قرون وقرون من الأفكار الخاطئة والمعتقدات الجائرة ، ولكن لا بد من الشروع فيه وإتيان المسالك المحقق لأغراضه .

ولعل المسؤولية الكبرى فى النجاح ملقاة على كواهلنا ، نحن أبناء هذا الشمال ، إذ علينا أولا أن نقدر انفسنا حق أقدارها ، من دون مركبات ، وتكون اوفياء لشخصيتنا ونحيى تراثنا ونعرف بأمجادنا وعلينا ان نشجع كذلك - وبالخصوص - مفكرينا وأدباءنا الأحياء ونذلل العقبات والموانع التى تحول دون طبع انتاجهم أو توزيعه على أوسع نطاق فى كافة أجزاء الوطن العربى الكبير .

وإذا ساهمت آراء بنت الشاطئ في رفع الغشاوة عن ابصار الكثيرين من رجال الثقافة بالمشرق العربى وأزاحت الستار الذى كان يحجب عنهم ما للجناح الغربى لوطنهم من ثروة فكرية خالدة ومتجددة فى آن واحد ، فانها ستساهم ولا شك فى استئصال ما يشكوه الكثير منا من عقد النقص والاستنقاص وبذلك يكون التمهيد الى الوحدة الحق التى لا خطر من الاستعمار الثقافى علينا ولا خوف من تسرب الشحناء والبغضاء إلى قلوبنا ما بقينا معتصمين بحبلها ، جاعلين الانصال الفكرى الحارس الأمين عليها .

ذلك أن الجهاد فى الموقع الفكرى لمعركتنا جميعا من أجل العزة والتطور الشامل انبل ضروب الجهاد وأبعدها مدى وأبقاها أثرا . ومن العار الأخلاقى ان تتبدد طاقاتنا فى متاهات الخصومات السياسية والمذهبية والتقليد الأعمى لغيرنا وحتى لخصومنا بينما يفرض علينا المنطق السليم والنظر البعيد والسديد أن نقاوم عزلتنا الفكرية ونتمسك بعروتنا الوثقى وندعم وحدتنا الروحية والحضارية الأصيلة المتفتحة .

ألا فليدرك هذه الحقائق كل المسئولين ورجال الفكر والأدب فى المشرق والمغرب العربى وليعملوا جاهدين على هديها إن كانوا مع أنفسهم صادقين وبوطنهم بارين ولأشرف القيم الانسانية مخلصين .

اشترك في نشرتنا البريدية