صدر عن الشركة التونسية للتوزيع منذ اشهر قليلة كتاب صغير الحجم للشاعر نور الدين صمود بعنوان " هزل وجد " وقرأت مقالا مترجما عن مجلة ( نيوزويك Wewsweek ) عنوانه ( وزنة لا بأس بها من الضحك ) . وان كان الشبه بين النصين بعيدا فانه فى الواقع صادر عن غرض واخد هو التأكيد على ملكة أساسية فى حياة الانسان وهي الضحك والاضحاك والمزح والفكاهة والدعابة .
فالشاعر نور الدين صمود جمع لنا فى صفحات تقرأ بكل شغف عدة نوادر وملح عرفها الادب العربي وجمعت فى كتب شائعة بين الناس وخلطها بما شاع عندنا فى مجتمعنا من ألوان الفكاهة التى كانت موجودة سواء فى الجرائد الفكاهية أو المجالس الادبية رغم ما كان يرزح تحته الشعب التونسى آنذاك من عنت الاستعمار وكوارث الزمان .
ولئن بقيت روح المرح والفكاهة والضحك والاضحاك موجودة فى مجالس الادب والفكر في تونس فانها تقلصت كثيرا فى انتاجنا الادبى والثقافى بصورة عامة وهي ظاهرة غير سليمة تماما لان المجتمع ، أى مجتمع ، لا يجد توازنه الا فى المعادلة الطبيعية المازجة بين الجد والهزل . فلقد احتجبت منذ زمان كل الجرائد الهزلية واصبحت نسبة المسرحيات المأسوية والبؤسوية و " الحكاكية " والايديلوجية أكثر بكثير من الكوميديا وغابت عن البرامج الاذاعية ما كان فيها من روح مرحة تربوية بغياب أساطين الفكاهة والاضحاك .
وبذلك غرق الناس جميعا _ وهذا لا يقتصر على المجتمع التونسي فقط - فى مواجهة المشاكل اليومية التى تتشعب بقدر ما تزول الروح المرحة الضاحكة وتتعقد كلما واجهها الانسان بقتامة وبؤس ويأس وتجهم وهو ما حدا بمجلة ( نيوزويك ) الى أن تعقد فصلا تعالج فيه عن طريق الضحك مأسى المجتمع المعاصر .
ولقائل أن يقول : إن ذلك ليس بجديد فقد كتب الجاحظ صفحات ناصعة فى هذا الباب ونحا نحوه الكثيرون ولكن ما أبرزته مجلة ( نيوزويك ) جديد وجدير بأن يعرفه القراء اذ بينت أن علماء النفس خاصة تركوا جانبا البحث في طبيعة الضحك وانكبوا على معرفة ماذا ينتج عن الضحك ودللوا على أن الضحك دواء ناجع ضد مرض العصر وهو ( الستراس ) هذه الاضطرابات العضوية والنفسانية التى تتسبب فى ظهورها عوامل عدوانية مختلفة تفتك بالإنسان المعاصر ورأى هؤلاء العلماء أن الضحك يشفى من صداع الرأس والتعفن وفرط التوتر وارتفاع الضغط . وجرب هذا " الدواء " فى عدة مستشفيات لمعالجة الانحلال النخاعى وظاهرة العزلة عند الشيوخ .
وفي رأي هؤلاء العلماء ان من يضحك ضحكة مزلزلة يشعر بارتياح جسمانى يخفف عنه الجهود التى قام بها نتيجة تفاقم عضلات البطن والصدر والاكتاف ودقات القلب والضغط الدموى . ويعتبر الدكتور فري من جامعة ستانفورد أن الضحك بمثابة ( العدو الريفى الثابت ) ( Jogging Stationnaire ) مثل غيره من التمارين التى يكون لها فيما بعد منافع كثيرة اذ ما أن ينتهى الضحك حتى ترتخى العضلات مما يخفف من بعض آلام الرأس ويخفض من دقات القلب والضغط الدموى تحت النسبة العادية وهو دليل على انخفاض حدة ( الستراس ) .
ويقارن بعض العلماء بين ما ينشأ عن العدو والضحك من ازدياد مادة ( الأدرينالين ) في الدم وتدفقها فى الدماغ وهو ما يحدث هذا الشعور بالراحة بعد الضحك . لذلك اعتبر بعض الباحثين أن المركز الاصلى للضحك موجود فى
الشق الايمن من الدماغ وأن بعض المرضى الذين أصابهم ضرر في هذا الموطن لا يحركون ساكنا عند سماع النوادر التى تضحك غيرهم من الناس ضحكا مزلزلا . أما علماء ( النرووج ) فانهم وجدوا فوارق بين النشاط الكهربائى الذي يتمتع به الشق الايمن من الدماغ وبين نشاط الشق الايسر وهو أعجز من أن يتذوق ملحة حارة ولكن في قدرته تفسير لغز قديم بينما يبقى الشق الايمن - على حد قول العالم النفسانى ( بول ماك في ) من جامعة التكساس - مربوطا بكل ما هو انفعالى وبالتالى يكون عنصر توحيد .
ويرى هؤلاء العلماء أن الانسان عندما يريد تفصيل نادرة من النوادر فانه يستعمل الشق الايسر أى المحلل للاشياء ولهذا السب فنحن نضيع الجانب الفكه من النادرة عندما نحللها .
أما البيولوحيون فقد قاموا ببحوث تتعلق بسيرورة الضحك عند الانسان ورأوا أنه مظهر من مظاهر الانتصار على العدو ومنفذ للخروج من التوتر والطاقة الكبيرة المعروفة في العراك . وبعضهم يشير الى أن له منافع عديدة لانه من العلامات التى تبشر بالخير ولانه يدل على ان الانسان الضاحك لا يلحق ضررا بغيره ولا ينتظر من غيره عدوانا ما .
وهكذا تبين أن للضحك والاضحاك فوائد علاجية جمة وان ملتقيات هامة عقدت خاصة في أمريكا ومنها ندوة واشنطن الملتئمة سنة 1982 حول الفكاهة وما سيصدر من كتاب تعليمي يتعلق بالبحث الفكاهى فى جزأين .
وما أحرى بلدان العالم الثالث التى تتخبط فى مشاكل يومية عويصة ويشقى فيها الانسان مرتين الاولى بغرقه فى هموم التخلف مرضا وجهلا وفقرا والثانية بوعيه المرضى الدائم المضنى بهذه الآفات فيشقى شقاء تزيده مآتى العصر تشعبا وترمى به فى متاهات الاستلاب والقتامة واليأس والانهيار العصبى والعدوان على غيره والعنف المدمر فى اخر المطاف .
لذا فان للخلاقين والمبدعين فى مجالات الثقافة دورا كبيرا فى ولوج هذا الباب وتخفيف وطاة الحياة على أبناء البرية وهم في ذلك لا يتخلون عن طبيعة الخلق الحقيقية التى هى كامنة في هذه الطاقة اللاهية المحركة لسيرورة الابداع والابتكار والمفضية أساسا الى الوعى الصحيح المتزن البناء بمقتضيات توازن الفرد والمجتمع وقديما قال أبو نواس :
( صار جدا ما مزحت به رب جد جره اللعب )
وكتب فيكتور هوفو قصة كاملة عنوانها : ( الرجل الذي يضحك ) ووصفه بأنه دعامة العالم الباكي هذه الدعامة التى هى فى صورة تمثال امرأة وكان هو القلق المصنوع من الضحك الصاخب الحامل لعبء كون كله كوارث ولقد سجن الضحاك نفسه الى الابد فى الفرح والسخرية وتسلية الغير ) .
وجاء في الحديث النبوى الشريف : ( ان الله يبعث السحاب فيضحك أحسن الضحك ) .
وقال ج . كوكتو : ( إن القدرة على الضحك الصاخب دليل على فضل فى النفس ) .
ولكن للضحك نواميسه وانماطه وللاضحاك منافذه وأساطينه وللضحك عصره والهيئة المؤاتية له فمن يضحك اليوم مثل هارون الرشيد حتى يفحص برحله يضحك حتى يستلقى لانه يجد على الاقل ظهر الكرسى مانعا من الاستلقاء وهل ثمت اليوم انظمة تعذب بالدغدغة المضحكة كما كان ذلك فى القرون الغابرة ( نسأل امنستى العالمية ) وهل يوجد اليوم مثل ما كان فى الصين القديمة من يتخلص من زوجته باضحاكها الى حد الموت من دون أن توجه اليه تهمة جريمة القتل .
ثم هل ان الضحك - مهما كان - مقبول فهناك الضحكة البليدة والوحشية والبلهاء والصفراء والمجنونة والجهنمية والشريرة والبهيمية والقاسية والكلبية وهل كل اضحاك يؤدى الدور الذى قصده علماء بيولوجيا الضحك اذ كم من اضحاك مصدره الفكاهة ( الحكاكية ) التى تجعل الضاحك كالاجرب يدمي جلده وهو يلتذ بذلك وكم من مضحك يصبح ضحكة ( بضم الضاد وسكون الحاء ) أو أضحوكة ( يضحك منه ) بعد أن كان ضحكة ( بضم الضاد وفتح الحاء ) ( كثير الضحك ) .
وهكذا يرى القارئ الكريم أن مسألة الضحك والاضحاك ليست هينة وأنها فى صلب العمل الثقافى الجاد وتقتضى تدبرا ودربة واحكاما ترجع الى هذه الملكة الطبيعية التى خلقت مع الانسان الشأن الاكبر والاوفق .

