الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ, في سبيل تبادل ثقافي مباشر منظم، بين تونس والجزائر

Share

كان للبرنامج التنفيذى المتعلق بالتعاون الثقافى الفني بين الجمهورية التونسية والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لسنتى 1983ـــ 1984 الممضى فى 9 جوان 1983 صداه البعيد فى البلدين ذلك أن الظروف التى تم فيها هذا الاتفاق تعد مؤاتية بعد انبرام معاهدة الاخاء والوفاق الموقعة بين البلدين فى 18 ماي 1983 وبعد تبادل الزيارات الرسمية بين الرئيسين الحبيب بورفيبه والشاذلى بن جديد .

ولا يخفى ما لهذه المعاهدة من أهمية كبرى فى إرجاع العلاقات الجزائرية التونسية الى نصابها بتجاوزها للحدود الاقتصادية والثقافية المصطنعة وباعتبارها تونس والجزائر العمود الفقري لوحدة المغرب العربى لتوسطهما جغرافيا فى هذا الجزء الخطير من العالم العربى .

واذا كانت هذه الظروف التى تم فيها إبرام البرنامج التنفيذى للتعاون الثقافى والفني بين البلدين بهذه الاهمية فان جوانب أخرى تجعل هذا العمل يكتسى صبغة جديدة وأبعادا لها خطورتها فى تطوير العلاقات وإحكامها .

ولقائل أن يقول : وما هو الجديد فى مثل هذه البرامج الثقافية ؟ وهى تعد بالعشرات سواء المبرمة بين تونس وغيرها من بلدان العالم أو بين عدة أقطار أخرى سواء كانت عربية أو أوربية أو أمريكية وآسيوية أو إفريقية . لماذا هذا التأكيد على خصوصيتها وتفردها ؟

نعم هذا الاتفاق جديد فى روحه وصياغته والعزيمة المرافقة له فى التنفيذ . ذلك أن مثل هذه الاتفاقات لا تعدو فى العادة أن تكون تبادلا رسميا فى عدة ميادين من الثقافة من إقامة أسابيع ثقافية الى تبادل الخبرات وغيرها أما هذا الاتفاق فهو يرمى الى الخروج من التعاون الرسمي المضبوط بالتواقيت والمدد الى تجاوز الحدود والعمل » على دعم التبادل الثقافى وتشجيع التعاون الثقافى المباشر المنظم بين المؤسسات والاتحادات والفرق وسائر الهيئات الثقافية بالبلدين وكذلك بين البلديات والولايات وخاصة الحدودية منها «  .

إن هذا التعاون الثقافى المباشر المنظم (والعبارة  واردة في ديباجة الاتفاق ) هو الذى سيعمل الطرفان على تجسيمه وإعطائه المحتوى التطبيقى فى أقرب الأيام . إذ هو يقتضى ان نزيح العراقيل والحواجز المتأتية من أمرين اثنين يتصلان بواقع مزدوج مازلنا نعيشه الى اليوم رغم الظروف المؤاتية والعزيمة الصادقة والارادة السياسية التى لا يتطرق اليها الشك والعازمة على تخطي الصعاب وتحدي كل العوائق ولكن العزيمة السياسية وحدها لا يمكن لها أن نحل كل المشاكل الا اذا شخصناها وتعمقنا فى جزئياتها وقرأنا حسابا لانعكاساتها المتعددة فى ميادين مختلفة .

إن هذا الواقع المزدوج يتمثل فى جانبين اثنين من علاقاتنا وهو أننا نعيش على الرواسب التى زرع بذورها الاستعمار بمحاولته قطع كل عوامل التواصل والتعاون الاقتصادية والثقافية . واذا كان الشعبان حاولا بكل ما لديهما من طاقة المحافظة ، أثناء عقود الهيمنة الاستعمارية ، على الروابط الاقتصادية والثقافية فان العراقيل التى وضعها نظام الحماية هنا فى تونس ، ونظام » المقاطعة « هناك فى الجزائر لم تكن عفوية وهامشية بل تقننت وترسخت إداريا وماليا واجتماعيا حتى تتحول من التعامل الأفقي الطبيعى الى التبادل العمودي القسري ـــ جنوب شمال ـــ وتحولت بالفعل وبقيت بالطبع روابط الأخوة وصلة الرحم التى لم يقدر الاستعمار على قطعها ولا احتثاثها .

هذا هو الجانب الاول من العراقيل أما الوجه الآخر من هذا الواقع المزدوج هو أن الدول وخاصة الاسلامية منها لم تكن لها إلا الحدود السياسية الادارية

أما العلاقات الاقتصادية والثقافية والعمرانية والحضارية بصفة عامة فلم تكن موجودة وأوجدتها فى هذا العصر الجديد الدولة ( العصرية )  التى أصبحت لا تخفاها خافية وتدخلت فى كل دقيقة وصغيرة بحكم ما وفره العلم أو التقنية والتكنلوجيا من وسائل التنظيم واحكام المراقبة وتشديدها وهو أمر يتعلق اليوم بكل دول العالم ولا تخرج عنه ولو دولة واحدة مهما كانت درجة التخلف التى ترزح تحتها . ولقد تجسم مفهوم الدولة العصرية فى القوانين والاجراءات التى تنظم سير الدواليب سواء داخليا أو خارجيا وتعقدت الاجراءات وتنوعت حتى أصبح لا يمكن لأى تبادل مهما كان أن يتم بدون المرور من مسلك ادارى معين أو الاحتياج الى ترخيص من جهة تنظيمية مخصوصة .

هذا الواقع المزدوج فى تعقده وتنوعه هو الذى يقتضى منا جميعا أن نتصدى له بالتعرف الى كل دقائقه وجزئياته وازاحتها من طريق»  التبادل المباشر المنظم «  حتى نصل الى الغاية التى قصدناها من هذا الاتفاق وهو ارجاع ذاك النسيج الثقافى المتشابك الذى كان موجودا من قبل فى عصور ازدهار الثقافة بهذه الربوع حتى قبل الفتح الاسلامى .

ولهذا فان التبادل الثقافى بهذه الصورة يكتسى جدة لم تعرفها العلاقات منذ استقلال البلدين وستوضع أمامنا مشاكل عديدة تحتاج الى الحل فى عدة ميادين من الثقافة . فكيف سنصل مثلا فى مجال الكتاب والمنشورات الى » تطوير حجم التعاون بين مؤسسات النشر فى البلدين ومنح أولوية خاصة لتترويج المنشورات الثقافية التونسية بالجزائر والمنشورات الجزائرية بتونس ضمن الحجم السنوى لتوريد الكتاب فى كلا البلدين « ؟ وما هى الطريقة التى ستمكن البلدين » من توزيع ـــ بصفة آلية ـــ كمية من كل كتاب يصدر بأحد البلدين لا تقل عن ثلاثمائة نسخة من العناوين الصادرة بالجزائر وحوالى ألف نسخة من العناوين الصادرة بتونس ؟ وكيف سيتوصل الجانبان الى تطوير أساليب التعاون بين مؤسسات التوزيع فى البلدين ووضع وسائل مشتركة وتوخي طريقة موحدة لتوزيع الكتاب المنتج فى البلدين ؟ «  هذا فقط ما يطرح على المسؤولين من وجوب النظر الجديد فيما يتعلق فقط

بالكتب والمنشورات الثقافية . ولهذا نص الاتفاق على »  تأليف لجنة مشتركة لمتابعة التعاون من البلدين فى ميدان الكتاب والمنشورات طباعه ونشرا وتوزيعا وتبادلا « .

لا أريد أن أدخل فى التفاصيل الاخرى المتعلقة بالمكتبات والمطالعة العمومية والآثار والمتاحف والادب والموسيقى والفنون التشكيلية والمسرح والتوثيق والدراسات حول التنمية الثقافية والتكوين وحقوق التأليف والتعاون الدولى والسنما ففى كل باب من هذه الابواب نظرة جديدة تتعلق بهذا » التبادل المباشر المنظم « .

وهكذا سننطلق من هذا التشخيص لنوع العلاقات الثقافية إلى إرساء الركائز الجديدة وهذا يقتضى من الحكومتين شق الطريق ولكنه يبقى على المسؤولين عن المؤسسات الثقافية سواء الحكومية منها أو الخاصة وعلى الافراد أيضا أن يسلكوا طريق المبادرة وأن يتحلوا بالجرأة لاحكام هذا النسيج وللخروج من الاعتماد كليا على المسالك الرسمية والتمسك بروح المغامرة والاقبال على الانتاج والخلق والابداع وتجاوز » المحلية « الضيقة والرنو الى كل ما يحفز على إبراز ثقافة ذات مستوى فى امكانها أن تروج بالبلدين وتلاقى الاستحقاق والتشجيع وهو الضمان الادنى لتكون هذه الثقافة ذات اشعاع عربى ثم إنسانى وهى الغاية القصوى التى يجب أن نرمى اليها فى كل ما نقوم به من مجهود فى الحقل الثقافى .

وإن تطبيق هذا الاتفاق يجب أن يفتح الباب دائما للوصول الى » التبادل المباشر والمنظم  « بين بلدان المغرب العربى وهو المنطلق الاساسى فى سبيل أن نوفر فى القريب العاجل الظروف الكفيلة بعقد قمة ثقافية عربية تفتح آفاقا من هذا القبيل للامة العربية قاطبة . وليس هذا على العزائم الصادقة العاملة بعزيز .

اشترك في نشرتنا البريدية