الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ, في معنى الاصلاح المستقبلي

Share

إن ما يجرى فى تونس من الاحداث المنجرة عن قرارات سياسية تتناول كل مجالات الحياة فى البلاد اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا تدعو الى النظر والدرس والتفكير العميق . لانها ليست قرارات ومواقف أملتها الظروف وفرضتها الملابسات بل هى صادرة عن نسق فكرى متميز وعن رؤية فلسفية لها ملامحها الواضحة وغائية انتهجت منحى معينا لا تحيد عنه . وما القرار الخاص بالتعددية السياسية القاضى بالسماح قانونيا لأحزاب أخرى بالقيام بنشاطها السياسى الا علامة أخرى بارزة فى سيرورة هذا النسق الفكرى الذى طبع الحياة السياسية فى تونس منذ نصف قرن .

واذا كان هذا النسق الفكرى - فى العمل السياسى بمعناه الاشمل - بعيدا عن أن يكون ايديلوجية أو فلسفة أو مذهبا قائم الذات أو نظرية ذات أركان ثابتة فانه اسم بتمسكه بجملة من القيم وبتمش مخصوص أثبت جدواه ومكن البلاد التونسية من أن تحرز على استقلالها نتيجة لكفاح طويل منظم متلائم مع الواقع وأتاح لها أن تبنى دولة سارت بالمجتمع التونسى من حسن الى أحسن فى عدة مجالات .

وإن الدارسين لمجرى الامور عندنا وخاصة المنظرين فى الكليات الاجنبية والكتاب الذين تناولوا بالتحليل والتعليق الفترة المعاصرة من تاريخ البلاد

نعتوا هذا النسق الفكرى بالبورقيبية وعبروا بذلك عن خلاصة التجربة التونسية العميقة الحذور الثرية الابعاد التى جسمتها شخصية الحبيب بورقيبة وأعطتها ألقا متميزا وصيتا كبيرا .

وقد سارت الحكومة التونسية الحالية على هدى هذا النسق الفكرى وخطت بالبلاد خطوات شاسعة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ولا تزال تواصل هذا العمل الاصلاحى الثابت الذى يجب تمحيصه وتوضيح أسسه واستشفاف ابعاده وغاياته .

واذا كانت كل أعمال البشر - خاصة الذين يغيرون أحوال الناس المجتمعات - تحدد تحديدا مضبوطا وتخضع لتسمية دقيقة فان هذه التجربة الثرية التى عرفتها تونس خلال نصف قرن يمكن أن تنعت بالاصلاح المستقبلى وهى تسمية لم ترد على الالسن بل لعل البعض يرى فيها تناقضا أو تجوزا لمعنى الاصلاح أو تقليصا للصفة الثورية التى تكتسيها هذه التجربة .

ولقد تحاشيت أن أسميها ثورة لانه تبين للعارفين جميعا وللذين تجاوزوا سن السادسة عشرة كما يقول الفيلسوف الفرنسى (( آلان )) : أن كسب الانسانية من الثورات نسبى وفى بعض الاحيان عكسى وأن (( ثورة من الثورات تحقق فى يومين عمل قرن كامل وتخسر فى سنتين عمل خمسة قرون )) ( فاليري ) وانه فى الواقع كما قال (( دوهاميل )) : ليس هناك من ثورة حقيقية إلا الثورة الاخلاقية والباقى إنما هو بؤس ودم ذاهب سدى ودموع بلا جدوى )) ( الكفاح التحريرى من قبيل الثورة الاخلاقية والاديان كذلك لانها تركزت فى الواقع على الاخلاق ) .

ثم إن المحلل لكلمة ثورة بالفرنسية ( Revolution ) ( والواقع إن الثورة الفرنسية هى التى فتحت الباب لكل الثورات الحديثة ) يجد أن معناها فى الاصل مرور فترة من الزمن ودورة من الدورات وأن علم الفلك يسمى رجوع كوكب من الكواكب الى نقطة انطلاقة ثورة ( باللغة الفرنسية طبعا ) وان اللغة

العربية لا تحمل كلمة ثورة أكثر من ذلك اذ هى مشتقة من ثار ، يثور وبعد الثوران يكون الهدوء والسكون .

لهذا فانه ليس من لغو القول ولا بالرجعية كما قد يسميها البعض ان ندعو الى أن تعزف البشرية عن مثل هذه الثورات وتنظر الى أحوالها نظرة أخرى تجنبها الاحن والحروب وتدفعها الى طريق الاصلاح كما قال سارتر : ( وهو أمر غريب من فيلسوف كان دائما يدعو الى الثورة ) : (( إن اعداد اصلاح معناه النظر الى بلاده فى المستقبل )) .

ولكن الاصلاح عندنا فى حضارتنا العربية الاسلامية اكتسى معنى آخر مازلنا نجر رواسبه ومخلفاته اذ هو طبع بطابع السلفية بعد بوادر النهضة الاولى وأغرق العالم الاسلامى الى يومنا هذا فى القضايا التى نخرته طيلة القرون حتى فى عصور الازدهار والمنعة . وكأنه كتب على التمشى الاصلاحى أن يعود بالمجتمع العربى الاسلامى القهقرى وأن يكرر غلطاته ويفتح الجدل فيما أضاع به السلف القيم السامية التى أتى بها الاسلام والتى يعنيها مالك بن أنس عندما قال : (( لا يصلح آخر هذه الامة الا بما صلح به أولها )) وهو لا يعنى أن يعود المسلمون الى ذلك الطور من الحياة ولا الى تلك القضايا الهامشية التى بعثت النحل الى الوجود والتى كانت تتمحور فى الواقع حول مسألة الحكم تلك القضية الكبرى التى لم يجرؤ الفقهاء على قول كلمتهم فيها وتركوا مبدأ الشورى مجرد كلمة تقال ولم يقترحوا لتطبيقها هيكلا واحدا ينظم الحكم على أساسه وبطبيعة الحال لم يناضلوا من أجله بل كان النضال فرديا مثاليا فيه تذكير وموعظة وارشاد فحسب .

نعم إذن للاصلاح وربطه بماضينا العريق وبقيمنا الاسلامية الخالدة بعد نسيان كل الجدل العقيم المرتبط بقضايا انهكت الامة العربية الاسلامية وجعلتها طعمة للغاصبين ومرتعا للانحطاط والجمود وللاسف إننا نشهد فى الساحة الاسلامية من يريد ان يجر الجميع الى هذه المهاترات معتقدا أن الخوض

فيما صنفه المصنفون فى العصور الاسلامية المتوالية من دون غربلته وتجاوزه هو طريق الصواب وهو الاسلام الصحيح .

نعم للاصلاح الذى ننطلق اليه من تراثنا وننهله من أصولنا وهو عين الصواب اذ نحن نعلم أن فلاسفة أوربا أنفسهم يعيبون على مجتمعاتهم التنكر للاصول وليتفهم القارئ الكريم ما قاله كلود لفي ستروس للافارقة فى استجواب أخير بمجلة أسبوعية تصدر بالفرنسية فى باريس : (( إنه لا يسعنى الا التعبير عن أمنية تتمثل فى تجنب الافارقة ارتكاب ما ارتكبه الاوربيون من أخطاء ابتداء من سنة 1789 : وهو قطعهم الصلة بجذورهم التاريخية والتفكير فى المجتمع المثالى الذى يريدون بناءه انطلاقا من تعابير أيديلوجية . ألا إن الاستمرارية التاريخية أمر اساسى )) .

نعم لهذا الاصلاح ولكن ليس بهذا المفهوم فقط بل بالنظرة المستقبلية المتفاعلة مع الحاضر والمتلائمة مع ما يجد فى العالم والمنصهرة فى مجهود البشرية من اجل مصير افضل حرية وكرامة وسعادة وانتاجا وخلقا وإبداعا . ( التجربة اليابانية جديرة بالتدبر والاعتبار ) .

الاصلاح المستقبلى اذن كفيل بأن يقود المجتمعات وخاصة المنتسبة الى العالم الثالث الى تطور معقول وان يخطو بها خطوات تقل فيها الكبوات وتبنى المستقبل لبنة لبنة به تزول الفوارق شيئا فشيئا وينتفى بين الافراد والشعوب التعصب والعنصرية والعبودية والظلم والقهر والتجني .

اشترك في نشرتنا البريدية