عندما نتساءل هل الحضارة الإنسانية مهددة بالتدهور والتلاشى وهل إنسان الربع الاخير من القرن العشرين مصاب فى الصميم ، ليس ذلك لأننا متشائمون فلسفيا ، فنحن من المؤمنين بسيادة الانسان على الكون ومن المقتنعين بقدرته العحيبة فى تجاوز ذاته وتغيير منزلته وإعلاء شأنه إذا ما زكى النفس وصح منه العزم ، ولا نعبر فقط عن الحيرة الوجودية التى لا مناص للمفكر الأصيل من المرور بتجربتها المرة عندما يتأمل فى متناقضاته ويتعمق معاني الموت وبتساءل عن كنه الحياة وسر المصير . .
بل ان التساؤل عن مآل حضارتنا سببه الاول - الى جانب الناحية الماورائية للمشكلة - تفاقم البون الفاصل بين الامم المتقدمة اقتصاديا التى لا تزال ثروتها فى ازدياد مطرد والامم المتخلفة التى تزداد فقرا على فقر بسبب تزايد سكانها المهول وعجزها عن السيطرة على مواردها الخام - إن كانت - واستغلال الأقوياء للضعفاء ، مما ردد صداه منذ أيام قلائل تقرير رسمى صدر عن البنك الدولى للتنمية ، وما أكدته أشغال الدورة الاستثنانية للأمم المتحدة .
أما السبب الثانى فهو ادراكنا العميق لمدى بؤس الانسان أمام ارتفاع مستوى حياته المادية وما يبدو من عجزه عن الرجوع الى ضميره لمغالبة الأنانية وإقرار الخير وتأكيد التضامن ومواجهة التلوث بكل معانيه ، مما أصبح يردد صداه نخبة من الكتاب وأهل الرأى ممن لا يزالون يحتفظون ببقية من وضوح رؤية ونبل خلق وشجاعة أدبية ؛ أما جمهور الناس المكيفين بوسائل الاعلام التجارية وترثرة الديماغوجيين وفئة ضالة من الكتاب المرتزقة فانهم ماضون في هرولتهم نحو غاية سراب ، في غفلة من واقعهم المر ومآلهم المجهول
ومن واجبنا أن نسوق للتدليل على ذلك بعض ما ينشر فى البلاد الاوروبية ، حتى يفكر في الامر بعض إخواننا في بلادنا وفي البلاد الشقيقة ، ممن بهرتهم
مجتمعات الاستهلاك ، فأعلوها وجعلوها مثالا لهم ومرجعا من دون أن يتعمقوا واقع اليوم ويتعرفوا الى أعراض الأزمة الحضارية الخانقة التى تعيشها تلك البلدان فيأخذوا أسباب القوة ويجتنبوا أسباب الضعف ومن أهمها تضاؤل العقيدة واهمال القيم الاخلاقية وتداعى شؤون التربية . .
فهذه جمعية " بلادنا إيطاليا " italia Nostra تنشر منذ أسابيع دراسة فى 170 صفحة عن ظروف الحياة برومة فتؤكد أن هذه الحياة لم يطرأ عليها تغيير يذكر منذ 19 قرنا ، وان عدد الاصابات بالحمى التيفويدية يتجاوز بالمدينة الخالدة عددها بكامل تراب الولايات المتحدة وانه من بين طفلين يوجد طفل مصاب بتأخر فى النمو البدنى من أثر انعدام المساحات الخضراء وأن 50.000 من بين سكان رومة يعيشون فى أقبية أو فى مآو غير مناسبة وأن درجة التلوث برومة تبلغ عشرة أضعاف الحد الأقصى القانونى وأن كميات المياه الصالحة للشراب التى تصل الى رومة تبلغ نصف ما كان فى تصرفها فى عهد الامبراطور أغسطس Auguste .
وهذا السيد روني لينوار Rene Lenoir مدير العمل الاجتماعى بوزارة الصحة العمومية ومدير الحيطة الاجتماعية بفرنسا ( وهو بهذا الوصف لا يحلم ولا يبالغ ولا ينتمى الى الرافضة ! أو الى الفوضويين !!) ينشر كتابا منذ حوالى ثلاثة أشهر بعنوان " المطرودون" Les Exclus ويحاول فى شجاعة المفكر ورصانة المسؤول تحديد المعالم الصحيحة للوجه الخلفى لفرنسا ، دون الاكتفاء بفرنسا الرسمية الراضية عن نفسها ، ويصف البؤس والقلق ومظاهر الحياة الهامشية التى يستشف تكونها من وراء " المدن المراقد " Cites dortoirs من خلال ازدحام مرابض السيارات ، والمدن التى تقضى على كيانها السيارات بجلبتها وتكاثرها وعزلة الضواحي النائية والعائلات المشتتة والشيوخ المهملين والتمييز العنصرى الناتج عن القطيعة بين محل السكنى ومقر العمل .
ويوضح الكاتب أن الاحصائيات تدل على أن فرنسيا لعشرة ( إذا اعتمدنا انعدام المؤالفة الاجتماعية inadaptation sociale ) أو لخمسه (اذا أضفنا معيار التدهور البدني والعقلي debilite physique et social ) ينتمى الى جمهور المطرودين الذين لفظهم مجتمع الاستهلاك جملة أو تفصيلا .
وتعلق جريدة " لوموند " Le Monde الفرنسية المشهورة بجدها ، قائلة : " وهذه لعمرى ملاحظات مفزعة فى هولها لأنها صادرة عن مصدر رسمي موثوق به " ( عدد 29-1-1974 ) .
وإزاء هذه الأزمة المتعددة المظاهر والتى لا ينجو منها أحد لأن الجميع في مركب واحد ، ومصيرهم واحد ، نتوجه مرة اخرى الى كبار المسؤولين فى السياسة والاقتصاد والى العلماء ورجال الفكر فى العالم لنحملهم مسؤولياتهم كاملة لأننا نؤمن بضرورة الاعلان عن تحد جديد ، يساوى فى " جنونه " تحدى الفضاء والتطاول على القمر ، هو العمل من أجل بقاء الجنس البشرى La survie de l'homme وحياة الروح والعاطفة والتسامح والتأخي ، لا حياة المادة والقهر والتسخير والتوتر والاستغلال الفردى والجماعى.
وفى هذا المقام نعتبر أن مسؤولية النخبة عظيمة فاذا كانت مجرد صدى يردد الحاجات والنزوات والأهواء حلت الكارثة إذ المجتمعات شأنها شأ السمك ، لا يتطرق إليها الفساد إلا من الرأس ! وإذا كانت المصباح الهادى والصوت الموجه وقعت المعجزة وتم الصلح بين الانسان وبين نفسه ودخلت الانسانية فى عهد جديد مشرق الأنوار .
ولنتمعن فى قول برنانوس ، Bernanos : " إذا كان مكتوبا لجنسنا البشرى الفناء فانه سيفنى من وطأة الملل والسآمة والانسان فى كل ذلك كالعارضة تنخرها شيئا فشيئا جراثيم خفية ، وسبقى عالم الاخلاق متحدثا عن الانفعالات النفسية ورجل الدولة مكثرا من قوى الامن والموظفين والمربى معدا لبرامج التعليم . . إلا أن كل ذلك سيكون بمثابة كنوز تنفق سدى فى معالجة عجين أصبح خلوا من الخميرة(*)" .

