يحتفل الشعب التونسى ، في مطلع هذا الشهر ، بذكرى تأسيس الحزب واستمراره فى الاضطلاع برسالته منذ أربعين سنة بقيادة الرئيس الحبيب بورقيبة . ولئن شعرنا جميعا بالاعتزاز والنخوة كلما استعرضنا مراحل الكفاح منذ مؤتمر قصر هلال فى 2 مارس 1934 إلى اليوم ، إذ حققنا الاستقلال الكامل ، وأقمنا دولة ثابتة الأركان ، وقطعنا خطوات مرموقة فى طريق التقدم ومجتمع الكفاية والعدل والإزدهار ، فلا بد في مثل هذه المناسبة من استخلاص ابلغ العظات وأجل العبر ، ونحن فى غمرة الاحتفال بهذا الحدث التاريخى المجيد .
ذلك أن إعادة الأحداث التاريخية المعاصرة الى الأذهان ليس من باب التبجح المجانى ، أو مجرد التباهى الظرفى ، بل هى تعميق متجدد لوعينا بالتاريخ القومى ، وإثراء وإذكاء _ معا _ للذاكرة الجماعية التى منها يستمد الأفراد أهم مراجعهم الوجدانية والفكرية ، وعليها تعتمد إرادتهم الحياة المشتركة ، وبها تصبح مغامرتهم الوجودية أوضح بصيرة وأهدى سبيلا وهي دعم للوحدة القومية التى تحتاج دوما الى حماس سليم يغذيها ، وعاطفة نيرة تزكبها ، وتحتاج أيضا إلى تأمل متواصل وجهاد متلاحق لتركيزها فى مدارها الطبيعى السوى ، وإبقائها فى اتجاهها القويم نحو المد المشرق والبناء الحضاري الفذ ، وصيانتها من شتى أنواع الزيغ والانحراف ، وضمان مناعتها بحيث لا يستبيح احد ذمارها أو تنال صروف الدهر من كيانها .
والشباب خاصة - فى حاجة مستمرة إلى مرهف الشعور بانتسابهم الى وطنهم ، وعميق التجاوب مع بطولات امتهم ، والاستواء على الأفق الرفيع الذى وضعها فيه شهداؤها الأبرار ومناضلوها الأوفياء ، مما يربى نفوسهم على الأنفة والكرامة ، ويأخذها بالوفاء للقيم التى نصرها جهد الأجيال وجهادهم ويملؤها اعتزازا بهذا الشعب الذى تمرد على منزلته بعد أن دحرجه الانحطاط فى هاوية التخلف وحاول الاستعمار الفرنسي طيلة ثلاثة أرباع قرن تجريده من كل مقوماته الأساسية حتى يفنى فناء فى إمبراطوريته ، بل إن الشباب لن يقدروا على تبين ملامح المستقبل وتخطى طريقه بين منعرجاته ، إذا هم لم يستمدوا من ملاحم شعبهم وبطولاته وعبقرية قيادته وفتوحاتها القوة الروحية التى تكسب الثقة فى النفس وتهب الطاقة على العمل وتعطى الطموح مبررا وبعدا إنسانيا سخيا .
ان الحركة الدستورية الجديدة التى انبثقت عن مؤتمر قصر هلال وتجسمت فى الزعيم الحبيب بورقيبة أو جسمها فى شخصه وسلوكه وتعاليمه الزعيم الحبيب بورقية ؛ قامت - أولا وبالذات - على أساس الايمان بأصالة الشعب التونسى والحفاظ على مقوماته ووضوح الرؤية التى جعلت الزعيم يدرك هول المصير الذي ينتظرها اذا ما سارت الامور على النحو الذى أراده لها الاستعمار وهو - بالضبط - جوهر خطاب الحبيب بورقيبة يوم مؤتمر البعث كما لخصه فقيد الأدب والصحافة سعيد أبو بكر لقراء جريدة " النهضة" انذاك اذ قال : " ووقد اختاروا ( أى بورقيبة ورفاقه ) للوصول الى غاياتهم المنشودة المصارحة بالحقيقة من غير تضليل ، مظهرين للأمة الدولاب الذى يطحنها والمستقبل الذي ينتظرها إذا هى ما زالت في سكوتها وجمودها . ." فكان جهادهم يهدف لا الى نيل المساواة مع الفرنسيين والتمتع بما كانوا يتمتعون به من امتيازات قانونية وإدارية وسياسية ، كما ذهب الى ذلك بعض المثقفين ، صرعى الغزو الروحى والفكرى فى تونس وغيرها من البلاد المجاورة ، أو كما كان يدعوهم إليه نفر من الاشتراكيين والشيوعيين التونسيين والأجانب بدعوى وحدة مصير الشغالين ، والتقدمية ، والثورة على القيم البالية ، والإنسجام مع مقتضيات العصر ، بل استهدفوا قبل كل شى الذود عن الشخصية التونسية والابقاء على اخص خصائصها ، إذ الأهم هو اثبات الكيان القومى وصونه من الازدواجية ، والفرنسة ، وهو موقف يحق أن تعتز به البشرية جمعاء ، لا الأجيال التونسية الصاعدة فحسب - لأنه انقذ مجموعة بشرية من الفناء المحقق وانعش الحضارة العربية الاسلامية بانعاش أحد معاقلها الصامدة منذ 13 قرنا ، رغم تهوين العقيدة فى نفوس حماتها الرسميين ، ومساعي النزعة الصلبية الحاقدة الحالمة بالانتصار فى حرب تاسعة على ربوع إفريقية حيث قضى لويس التاسع نحبه قرب أطلال الرومان بقرطاج ، مما رمز إليه الجمع بين الاحتفال بمرور خمسين سنة على انتصاب الحماية الفرنسية بتونس ( 1931 ) وإقامة المؤتمر الافخارستى فى موكب رهيب حضره عدد كبير من سراة القوم - كما كانوا يسمون أنفسهم- ورجال الدين إن صح أن ننعتهم بالرجولة بينما كان خنوعهم ونفاقهم وانبطاحهم أمام المستعمر يعادل خواءهم الروحى وشيوع نفسية الانهزام الفكرى فيهم
ومن اغرب الأمور أن هؤلاء الخونة والرجعيين والمحظوظين كانوا يلصقون بالمجاهد الإكبر ورفاقه تهمة المروق عن الدين والازورار عن الملة بينما الحركة الدستورية الجديدة هي التى انقذت الدين واللغة وطهرت الايمان مما علق به بدع وخوارق عبر قرون الانحطاط كان المستعمر يتظاهر بحمايتها خشية ان ترجع للدين الحنيف صولته فيثور المسلمون ويستميتوا في سبيل الكرامة والعزة .
وميزة أخرى امتازت بها الدعوة البورقيبية عما سبقها من الدعوات هى الإيمان بالشعب والعمل على توعيته ورفع مستواه وتشريكه فى العمل السياسى المنظم ، من دون غوغائية أو تملق يدلان على احتقار الشعب لا على محبته وخدمته ، حتى يضطلع هو نفسه وبنفسه ، من دون وصاية ، بحمل المسؤولية وتغيير ما به وتكسير اصفاده وبناء مستقبله ؛ بينما كان " القادة " يتعالون عن الجماهير ويحتقرونها ولا يتنازلون للآتصال بها والتحاور معها .
وما كان ذلك - والحق يقال - بالأمر الهين لأن الاستعمار لم يكن ليخشى شيئا خشيته من الشعب إذا وعى منزلته وأصبح له سلم قيم جديد واهتدى بهدى زعماء مخلصين ، فقد حاول على باش حانبة الاتصال بالناس بعد الإضراب على " الترامفاى " وخاطب طلبة جامع الزيتونة عندما أضربوا عن التعليم مطالبين باصلاحه فنفته السلط الاستعمارية سنة 1912 ، بينما هي لم تحرك ساكنا طالما اقتصر على تحبير المقالات و " التحرك" فى نطاق نخبة " الشباب التونسى" وكذلك حاول الزعيم النقابى الاول محمد على الحامى تأسيس حركة عمالية تونسية صميمة واتصل بعملة الرصيف والمناجم . . . فاضطرت فرنسا إلى ابعاده عن تونس سنة 1925 وأيدها فى ذلك جماعة الدستور القديم والشيوعيون والاشتراكيون !!! ولكن الزعيم الحبيب بورقيبة لم يبال بالخطر وكان يتجول فى البلاد من أقصاها الى أقصاها ، لم تثنه الاتعاب ولا مناوءة جماعة اللجنة التنفيذية ، ولم يتراجع عن محبته للشعب والاتصال به رغم نفيه فى سنة 1934 وسجنه سنة 1938 طيلة 5 سنوات وابعاده يوم 18 جانفى 1952 لمدة سنتين ونصف تقريبا ، الى ان كلل كفاحه بالنجاح وعاد فى منفاه الثالث مظفرا منصورا يوم غرة جوان 1955
هذه الصبغة الجماهيرية للنضال الوطني التى بدأت منذ 40 سنة لم تكسب الكفاح الحيوية والنجاعة فقط بل هي راضت الشعب على الديمقراطية الحق وربته على الطموح الى المشاركة فى تسيير شؤونه ، وأهلته - غداة الاستقلال - الى التحرر الإجتماعى والثقافى والدخول فى مغامرة جديدة لعلها أعمق غورا وأطول نفسا ، هي ملحمة البناء الحضارى وشرف المساهمة فى خدمة الحق والعدالة والسلم في العالم والعمل على الوئام والاخوة بين كافة البشر
وإذا نحن نظرنا إلى هذا الرهان الذي ضربه الحبيب بورقيبة يوم 2 مارس 1934 مع التاريخ يوم أن كان شابا يتحسس رسالته فى الكون ويرنو الى مثل اعلى يقف حياته من اجله ، يغالب الشك واليأس ويتألم من لداته وأمثاله الذين غرتهم المادة وشاعت في نفوسهم روح الانهزام أوعتوا عن أمر وطنهم أو أقبلوا على الدنيا أى إقبال لأنهم عجزوا عن تزكية النفس وخلطوا بين الواقعية والوقوع وبين الرفاهية والعظمة . . . إذا نحن تأملنا فى حياة الحبيب بورقيبة التى تحولت الى مصير أمة كاملة ، وتذكرنا ما قاساه من آلام الوحدة والحرمان ، وما تجرعه من مرارة خذلان الرفاق و " الاخوان ، وما شعر به من ثقل المسؤولية وهولها عندما اضطر المرات العديدة الى أن يأخذ موقفا ، ويحدد اختيارا ، بمفرده بينه وبين ضميره وهو يمسك بيديه مصير شعب كامل وهبه ثقته وأحبه حبا جما ، ثم ننظر الى النتائج الإيجابية التى لا نزال نجنى ثمارها . . . عندما نستعرض كل ذلك لا نعترف للرئيس الحبيب بورقيبة بالجميل فحسب ولا نطمئن الى المستقبل فقط ، بل نعتبر هذا النجاح الباهر الذي جعل من حياته - كما يقول جوريس - حلما من احلام الشباب تحققه الكهولة ! خير مثال للشباب وأصدق مرجع ، منه يستمدون العبرة وبه يقتدون في مواجهة الحياة ليتبينوا رسالتهم فى تونس الجديدة ويهتدوا الى أقوم المسالك لتنمية شخصيتهم ورياضة نفوسهم على الجهاد الصادق من أجل الغير والتفانى والسعى الدائب الى صيانة أمتهم والنضال من أجل نصرة الانسان .
