الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ, واجبنا خلق : عقلية جديدة !

Share

من جملة المعاني البليغة والمقاصد القيمة التى احتواها الخطاب الذي ألقاه السيد الوزير الأول باسم الحكومة التونسية يوم 9 فيفري المنصرم عند افتتاحه أشغال الدورة العاشرة للجنة الاقتصادية الأممية لافريقيا ، ما يتعلق بطبيعة التخلف الذي تعانيه بلدان افريقيا وسبب البطء الذي تشكوه فى نموها ، ذلك انها اهتمت بالنظريات البراقة والمذاهب الرائجة فى العالم المتمدن وأهملت حقيقة بديهية هى أن الانسان هو العامل الاساسي في ربح معركة التنمية وانه من الواجب قبل كل شئ تعليمه وتربيته وصقل مواهبه حتى يقدر على وعي منزلته ويصح منه العزم على تغيير ما بنفسه وما يحيط به .

ولئن بذلت بلدان افريقية كثيرة ، نعتبر بكل تواضع الجمهورية التونسية فى مقدمتها ، مجهودات وأموالا لتعميم التعليم ونشره فى أوجز الآجال . فحققت بذلك بعض اغراضها من حيث الكم ، فانها اخطات اخطاء فادحة وذات نتائج وخيمة اجتماعيا واقتصاديا وربما سياسيا على طول المدى ، إذا اعتبرنا الكيف ونظرنا إلى عقلية هؤلاء الآلاف المؤلفة من الشبان الذين تخرجوا فى السنوات الاخيرة ، والى سلوكهم وبالخصوص الى مدى قابليتهم على التلاؤم مع وسطهم والاندماج فيه ، اى اذا نحن قيمنا هذا المجهود الجبار من حيث الجدوى ولم ننبهر بالارقام والاحصائيات والخطوط البيانية . . .

ولعل هذا ما قصده السيد الهادى نويرة الوزير الاول ، عندما قال في صراحة وصرامة : " ولهذا يتعين على مدارسنا ان تطبق من المناهج التربوية ما يجعلها متفتحة على القرية وعلى الغابة وعلى منابت الاعشاب . وعليها أن تضع في صعيد واحد الكتاب وأداة العمل والدماغ والساعد حتى تتجنب إنشاء أمثال اولئك الذين يشمخون بأنوفهم لمجرد شهادات بسيطة نالوها ، فتضرب

أصابعهم العشر بالعطل ، ويرون من المزري بهم العمل فى الحقول وكذلك فى المصانع " .

وهل من شهادة افصح وحكم اعدل على مأساة الآلاف والآلاف من فتياننا وفتياتنا قضوا سنوات في التعلم فلم يحصلوا إلا على قدر متواضع من المعلومات النظرية البعيدة عن وسطهم ، الغريبة عن مشاغل بيئتهم ومتطلبات وطنهم النامى ، من هذا القول الصادر عن مسؤول يعرف حق المعرفة احوال افريقيا ويتصدى اليوم - في بلاده - لعلاج المشاكل الكثيرة المتأتية عن عدم التلاؤم - منذ الاستقلال الى اليوم - ؟ بين التعليم فى محتواه ومناهجه وأساليبه البيداغوحية وسرعة انتشاره ونوعيته وبين معطيات البلاد الاقتصادية والاجتماعية والحضارية .

على أن قاعدة " الكم يفرز الكيف " سمحت بأن يتخرج من بين ملايين التلامذة بعض الآلاف من الجامعيين فهل كانوا عند حسن الظن وهل استجابوا الى داعى الواجب الوطني فاضطلعوا بمسؤولياتهم ونهضوا بشعوبهم ؟ يجيب السيد الوزير الاول بقوله : " إن نخبنا المثقفة الذين تفتحت أفكارهم فى اجواء الجامعات الاوروبية والامريكية يتحتم عليهم أيضا ان يظلوا فى اتصال وثيق بواقع بلدانهم ولا يسعوا في قلب ظهر المجن لشعوبهم ولا يغادروا أوطانهم في بعض الاحيان طمعا فى التمتع بمستوى من العيش فى الخارج أرفع مما هو مقدر لهم نيله فى بلدانهم ، فكم من بلدان افريقية لها عدد من الاطباء من أبنائها فى الخارج أكثر مما لها داخل حدودها . ولا يخفى ما فى انجذاب ذوى الاختصاص التقني للعمل الذي يدر رزقا أوفر من بالغ الضرر العائد على أقطارنا . فهو يدفعهم من الريف الى المدينة ومن المدينة الى البلد المصنع الذي يوجد دائما فى قارة غير قارتنا . . ."

وهكذا يوضع مشكل هجرة الكفاءات بكل وضوح وندرك مع الأسف ان البلدان الافريقية والاسيوية تساعد في الواقع البلدان المصنعة باعز ما عندها أى بأدمغتها ! فاذا قلنا ان التعليم عنصر أساسي من عناصر التنمية وشرط حاسم لها وكان هذا التعليم في الواقع السبيل الممهدة لهجرة الكفاءات العلمية أو لأغلبها فمعنى ذلك ان الأفق مسدود فى وجه بلدان العالم الثالث ولا تتعدى

تضحيات شعوبه أن توفر لبعض المحظوظين أسباب الرفاهية الشخصية والاشعاع الفردى بعيدا عن الاوطان !

وان الامر سيبقى كذلك ، انعدام جدوى ، وتفاوتا متزايدا بين العرض والطلب من حيث الكيف ، فى مستوى التعليم الاعدادي والثانوى ، وهجرة متفاقمة للاطارات العليا تستنزف طاقات بلداننا وتشل سعيها الى التقدم والتطور وتزيد البلدان المصنعة ثروة بشرية على ثروتها ، فى مستوى التعليم العالى ، ما لم ننظر الى شؤون التعليم والتربية ببلداننا العربية والافريقيا والاسيوية نظرة ثورية ، فنتعلم أولا كيف نستتقل ثقافيا وكيف نعتمد على انفسنا ونثق بقدرتنا الذاتية ونتجاوز ما خلفته فينا العهود البائدة من جروح وعقد ، ونتفق على المحتوى الصحيح لأصالتنا ونضع الملامح الكبرى لحضارتنا ثم تستنبط الطرق والمناهج التربوية الكفيلة بتجسيم هذه القيم العليا فى ناشئتنا ، ولا يتسنى ذلك اذا بقينا على تعلقنا بالمفاهيم الموروثة الزائفة واقتصرنا على ترميم هيكل التعليم الذي وضع لعصر غير عصرنا ولبيئة غير بيئتنا .

وان الاصرار على التقليد الأعمى والتهافت على استيراد المحتويات الثقافية الاجنبية والاصغاء " الأعمى " الى ما يوحى به إلينا " الخبراء " الأجانب واستصغار آراء بني جلدتنا ، لمجلبة للمآسي الاقتصادية والاجتماعية وتنكر لأبسط مبادئ الحضارة وأشرف القيم الانسانية .

فعسى أن يستخلص كل المسؤولين فى كافة البلدان السائرة فى طريق النمو العبرة من نتائج سياسة التعليم التى انتهجوها منذ اكثر من عشرة أعوام ويدركوا ان التعليم اذا اريد به الخروج من التخلف وتحقيق النهضة فى كل الميادين وحب تكييفه مع ضرورات المجتمع وتاصيله والملاءمة بينه وبين حاجات الاقتصاد ومطالب الروح القومية .

والواقع أننا لا نحتاج اليوم الى اصلاح جديد للتعليم او الى اصلاح " اصلاح  التعليم " بل نحن في حاجة أكيدة الى خلق عقلية جديدة وبعث تربية وطنية صميمة .

اشترك في نشرتنا البريدية