بهذا العدد تدخل مجلة " الفكر " سنتها العشرين وهي ماضية فى تأدية رسالتها بنفس الروح ونفس العزيمة ، والحماس ، والانتظام ، ورحابة الصدر ، ووضوح الرؤية الذى عرفه منها قراؤها عندما صدر أول عدد لها فى أكتوبر 1955 ، والبلاد على أبواب الاستقلال .
وقد واكبت المجلة حياة الشعب التونسي فى اطوار بناء مجتمعه وشاركت فى نهضته الشاملة وخاصة انطلاقته الثقافية ، مستمدة عزيمتها من عزيمة الأمة التونسية فى الذود عن الكيان وفرض الوجود ، مستوحية رسالتها من المغامرة الفكرية الكبرى التى تبلورت فى الثلاثينات على يد الرئيس الحبيب بورقيبة ، وارتضاها الشعب بأكمله الى يومنا هذا ، كترجمان أمين لدفين توقه الى تقرير مصيره بنفسه ، وصنع تاريخه بمحض ارادته وانطلاقا من طاقاته الذاتية وقواه الاصلية .
لذلك ساهمت المجلة فى تعميق هذه المغامرة الفكرية ، وتقصى أبعادها ، وابراز معطياتها كارضية إيديولوجية وسند مذهبى لما يقوم به الانسان التونسي من أعمال ويصممه من مشاريع ، مقتدية فى ذلك بما صدع به السيد الرئيس الحبيب بورقيبة ، منذ قيام الحركة التحريرية التونسية ، وأكده بمناسبة انعقاد المؤتمر التاسع للحزب الاشتراكى الدستورى بالمنستير ايام 12 - 13 -14 سبتمبر 1974 ، من أن محور كفاحه هو تجنيب الشعب التونسى " المسخ الثقافي والحضاري
وقد جاء تقرير السيد الهادى نويرة الكاتب العام للحزب والوزير الاول فى هذا المؤتمر موضحا لهذه الناحية من ملحمتنا مما يجدر الوقوف عند تفاصيلها وتأكيد ابعادها واستخلاص العبرة منها ، خاصة وأن ممثلى الشعب قد صادقوا عليها وأقروها كدستور لهم بالاجماع .
ذلك أن الثقافة والتربية فى نظره " عاملان ضروريان ليبلغ الانسان كمال إنسانيته ويحقق مصيره " لأن الثقافة " هي ما يغير الانسان ويجعل منه
صانع تاريخه ، وهو " مالا قبل للنمو الاقتصادى ان يحققه او يضمنه بمفرده ، فالثقافة اذن بهذه الصورة ركيزة هامة لتنميتنا الشاملة بل انها ، إذا أردنا ، أساس تصورنا للحياة وبها يتمكن الانسان التونسى من أن يرسم لنفسه غاية فى الحياة وينتسب فى سلوكه الى سلم قيم معنوية هي في الحقيقة علة وجوده ومرجع عمله " .
وهذا يجر حتما الى اعتبار الثقافة " ضمانا للاصالة القومية والحارس لمميزات الشعب التونسي " إذ " بقدر ما نحن متمسكون بالثقافة الانسانية ، ومتفتحون الى المعاصرة نرى لزاما علينا أن نعمق ما يميزنا عن غيرنا ونحتاط من تلك النظرية العالمية التى تعتمد فى الواقع ثقافة بعض الاقوام وتتقنع بقناع الاقتصاد والثقافة أو الايديولوجيات " .
وهذا فى الواقع هو أساس كفاح كل شعوب العالم لان مظاهر الهيمنة والتسلط على الشعوب لم تبق بارزة فى الغزو العسكرى والاستعمار التوطيني أو التهجيرى فقط بل تعتمد أيضا نوعا من الاستعمار الثقافى الذي يتسرب بكل لطف ودهاء وغايته هو " المسخ الثقافي والحضاري " وهو اشد وانكى لأنه يعتمد من أبناء الشعب المغترين والغافلين والمتعمدين لغرض فى نفوسهم .
على ان هذا الاعتقاد لا يمكن بحال من الاحوال أن يجرنا إلى التقوقع والانكماش على أنفسنا إذ أن الخصوصية - كما قال السيد الكاتب العام للحزب " لا تعنى التعلق بكل ما ورثناه عن الماضي على علاته كما أن الأصالة ليست المحافظة العقيمة . فكلتاهما تقتضيان وجوب الاجتهاد وبذل الجهد لإعادة التفكير فى تراثنا الروحانى والثقافي قصد التمكن من مزيد السيطرة على الواقع وتغييره وحتى ينسجم مع المثل الاعلى الذى يفرضه الحاضر وحتى يتلاءم مع مقتضيات الحضارة العصرية القائمة على العلم والتقنية " .
هذا هو الرهان العظيم الذي يدعونا السيد الوزير الاول الى القيام به وهو صلب القضية ؛ أن لا نذوب في غيرنا ولا نتفسخ ، ولا نمسخ أنفسنا بأنفسنا بل نحافظ على خصوصيتنا وأصالتنا و " حضارتنا الاسلامية " و " لغتنا العربية " من جهة ، وان لا نقنع من جهة اخرى " بحكم الكسل أو فقدان بعد النظر أو ربما انعدام الشجاعة بدخول المعرفة عن طريق الترجمة " بل " ننهل مباشرة من ينابيع الثقافات والحضارات الاخرى " حتى نساهم فى إثراء المعرفة الانسانية ونزودها برافد نوعى ولا نحرم على انفسنا التوق الى
حمل رسالة خاصة بنا في عالم اعترف اليوم في اخر الامر بأن تعدد الثقافات ظاهرة منمية للثروة الفكرية وسلم بأن التعاون لا يكون مثمرا بدون تعدد مراكز الخلق " .
بهذا آمنا منذ ظهور أول عدد لهذه المجلة معتبرين انه لا مندوحة لنا نحن التونسيين ، من التمسك بمقوماتنا . . كل مقوماتنا ، ولا مهرب لنا من إثراء كل ما يميزنا عن غيرنا حضاريا لا نستثنى من ذلك أى ركن من الاركان لان الحضارة بناء شامخ اذا تهاوى ركن منه انهد بأكمله .
وعلى أساس كل هذا فان ما ينتظرنا من عمل لتحقيق ما نصبو اليه يدعونا الى الاهابة بكل المسؤولين ليشمروا على ساعد الجد لتنفيذ ما قرره المؤتمر فى هذا الباب كما يدعونا الى حث كل التونسيين على تفجير طاقات الخلق فيهم حسب هذا الاتجاه وبنفس هذه الروح . أما فيما يخصنا فنحن ماضون فى السبيل الذى رسمناه لانفسنا ، سبيل الأمة بأجمعها .

