لا تزال الأيام - من سوء الحظ - تؤيد ما ذهبنا إليه وكشفنا عنه من المواقف المزرية التى يتورط فيها عدد كبير من الكتاب وأهل الفكر فى أوروبا فمن اشتهروا بالتقدمية والتحرر والاشتراكية والتمسك بالمذهب الانسانى وآنبروا طوال حياتهم يدعون الى عالم أفضل ، مطهر من العقلية النازية منزه عن منطق القوة والاستبداد ، فاذا بهم ينحازون انحيازا غير مشروط بل أعمى ، لفائدة الصهيونية ، وتنطق كتاباتهم حول الوضع بالشرق الاوسط وخاصة بعد حرب السادس من اكتوبر وأزمة النفط ، بما لا يطاق من معاني الاحتقار للعرب والمسلمين ، والازدراء بأنظمتهم وتشويه حضارتهم .
وقد تعرضنا إلى نفر منهم وفضحناهم كما شهر بهم غيرنا فى تونس وبلدان أخرى كثيرة ، ولكنهم مصرون فى اتجاههم معاندون فى آرائهم . فهذا الروائى " ايونسكو " ينال جزاء ما قدمه من خدمات لاسرائيل فيحظى شكر سفيرها بباريس ويتلقى دعوة رسمية لزيارة تل أبيب وكتابة السناريو لفيلم يمجد ما تنجزه بلاد غلدامايير ودايان . .
وهذه - خاصة - " سيمون دى بوفوار " المتزعمة ، صحبة ج . ب . سارتر ، للمذهب الوجودى تنشر منذ اسبوع بجريدة " لوموند " الفرنسية مقالا تشهد فيه بموقف سوريا التى أبت أن تسلم الأسرى أو تعلن عن أسمائهم وتنعت الشعب السورى المناضل الصامد بالوحشية ) Barbabie ولكنها لم تشهد بهمجية اسرائيل ووحشيها عندما قذفت طائراتها دمشق واللاذقية وحمص وقتلت الأمهات والأطفال والمواطنين العزل الأبرياء وأغارت على المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية التى يعيش بفضلها ملايين البشر .
وعندما تؤكد الكاتبة أن الأسرى العرب عوملوا معاملة إنسانية خلافا للأسرى اليهود نسألها بكل احترام عن مصادر إعلامها ونريد أن نعرف هل
أجرت بنفسها التحقيقات الضرورية أم آكتفت بتصديق ما تردده الدعاية الصهيونية وتكذيب ما يقوله العرب ؛ هل هذا هو المنهاج العلمى - أو الديكارتى الذي تعلمته عندما درست الفلسفة وانتهجته فى كتبها ؟ أم هل أنها كانت - هذه المرة أيضا - غرة ( كريمة ؟ ) كما اعترفت أنها كانت غرة فى مذكراتها " قوة الأشياء " - الصادر منذ سنوات قلائل - عندما بلغت الستين من عمرها فكانت آخر جملة وردت فى كتابها المذكور :j'ai ete flouee!
وقد نرثى لها رثاء صادقا عندما تبوح بأن الدنيا خدعتها وذهبت بزمانها فى غير طائل وقد نسليها ونؤنس وحشتها فنقول لها - بأسلوب التوحيدى انظرى حفظك الله الى كثرة الباكين حولك وتأسى ، أو إلى الصابرين معك وتسلى . . أما أن تؤكد بالكلمة وحشية السوريين وتنزهى الصهاينة وتغالطى فيهم عقلك وثقافتك ومذهبك ، فهذا ظلم وتجن على الحقيقة إذ الكلمة - كما قال صديقك وشيخك سارتر - إثبات لواقع بل خلق لهذا الواقع ، وكم من آلاف القراء الأبرياء سيتأثرون بمقالك ويتوهمون مثلك أن الأمة العربية لا تزال بدائية غير متحضرة . إلا إذا صح فى كلامك قول الله تعالى : . . . مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ، آجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ! . . .
وهذه " فرانسواز جيرو " تؤكد أن العرب ليس لهم الحساسية الحضارية الكافية للتأثر بحادث مطار روما المؤسف الذى ذهب ضحيته أكثر من ثلاثين مسافرا وتلتمس العذر للعرب فتتساءل هل كان الفرنسيون يتأثرون بمثل هذا الحادث لو وقع فى القرن السابع عشر ؟ ! . . .
وهكذا تكشف هذه الكاتبة مرة أخرى عن مركب الغرور الذى يكيف مواقفها ويحملها على احتقار العرب ومعاملتهم معاملة الدون لأن ثلاثة قرون كاملة تفصل حضاريا بين الشرق العربى وأوروبا فى زعمها
أما أن تتذكر ما أصاب اليهود فى أوروبا المتقدمة المتحضرة المنغمسة فى " القرن العشرين " من أذى واضطهاد ونفى وإبادة وأن تفتح عينيها لترى العنصرية المستشرية فى بلادها وفى بلدان مجاورة لها وتسجل تقتيل العشرات من أبناء شمال افريقيا وضرب قنصلية الجزائر فى مرسيليا بالمتفجرات . . . فهذا ما قد لا تقوى عليه أو ما لا يمكن أن يحملها على الاعتقاد بأن جانبا من أمثالها لا يزالون يعيشون فى القرون الوسطى
ألم تتعلم منذ نعومة أظفارها - كما تعلم كثيرون قبلها وبعدها - أن الغرب متفوق على الشرق حضاريا وأن الآريين أعلى منزلة من الساميين ؟ ألم تتغذ - كما تغذي الملايين قبلها وبعدها - بالعقلية الصليبية وتقتنع بأنها تنتسب الى القوم الذين حملهم التاريخ مسؤولية التمدين والاشعاع ؟
إنها تتذكر - ولا شك - ما قاله باسكال حول الحقيقة ونسبيتها وقد تردد فى صحوها ، أى فى غفلة من تكوينها ومناخها الثقافى ! . . . لنا حقيقتنا ولمن وراء جبال البيرينى حقيقتهم ! وربما أعجبت ببعض أقوال فولتير الانسانية ودعوته الملحة لمزيد من التسامح والتحابب ولكن هيهات أن تتحرر وأن يتحرر أمثالها مما ترسب عبر القرون فى عقلياتهم ولاشعورهم من غرور وآدعاء وشعور بالتفوق
ثم هل من سخرية ألذع من تلك التى يرشح بها مقال بعض أهل الرأى بأوروبا عندما يلاحظون أن تنبؤات علماء المستقبل les futuologues بملامح القرن الواحد والعشرين أفسدتها أحداث تنتمى الى القرن الثانى عشر وهم يشيرون إلى ما عبر عنه عاهل المملكة العربية السعودية من شوق الى زيارة المسجد الأقصى كأن مصير الأمة الفلسطينية المشردة بالحديد والنار واحتلال شتات من اليهود أراضيها بمنطق القوة يجوز تلخيصها بهذه الصورة ؟
ونحن مع ذلك لا نيأس منهم ولا نضمر لهم الحقد بل نسعى الى فتح بصائرهم وايقاظهم الى غلطاتهم وتناقضاتهم وسنواصل بمعية الكتاب الاحرار والمفكرين الشرفاء فى الغرب وفي كل أنحاء العالم - وهم كثر والحمد لله - النضال المقدس من أجل محو آثار الآحقاد الدفينة الماضية والتنبيه الى وحدة المصير وروعة العمل من أجل كرامة الانسان فى كل مكان .

