يعود فى مفتتح هذا الموسم الثقافى الجديد بعض الذين جعلوا أنفسهم أوصياء على الأدب التونسى ، واعتبرتهم بعض " الأوساط " فى الداخل والخارج مختصين فيه - الى تحليل الأدب التونسى المعاصر وتقييم آثاره محاولين ان يفهموا النسق الذى عليه يتم الخلق الأدبى فى تونس ، متسائلين تارة ، جازمين اخرى . وهم فى كل هذا ، أحبوا أم كرهوا ، خاضعون ، من حيث يشعرون أو لا يشعرون ، الى أفكار قبلية تعتمد نظريات جاهزة وتصنيفات أكل عليها الدهر وشرب .
وغاب عن هؤلاء ان الخلق الأدبى فى تونس يخضع لخصائص لم تتحول منذ أكثر من اربعين سنة وان الحوافز والنوازع هى هى لم تتغير ، وأن الذي يحيى الأدب فى فترة ما ، ويشيعه ويرفع من شأنه هو هو ، كما أن أسباب الفتور الأدبى وخفوت الخلق هى نفسها باقية لم تكد تزول .
وإن الفاحص لهيكل الأدب التونسى منذ أكثر من أربعين سنة يجد أنه يقوم دائما على دعائم ثلاث ملتصقة أشد الالتصاق بالواقع التونسى وهى الدعامة السياسية والدعامة القومية المصيرية ، والدعامة الاستقطابية .
ذلك أن الأدب التونسي المعاصر مر بخمس فترات هامة كانت الدعامة الاستقطابية التى تجمع حولها الطاقات الخلافة فتبلورها وتبرزها الى القراء هى المجلات ما فى ذلك شك .
ففترة الثلاثينات التى برز فيها الشابى كانت الدعامة السياسية فيها هى الشعور القومي السياسى الحاد بظهور حركة الحزب الجديد ونشاطه الحثيث فى إبراز الشخصية التونسية وحمايتها قبل انعقاد مؤتمر قصر هلال سنة 1934 أى منذ أن دخل المحامى الشاب الحبيب بورقيبة ورفاقه معمعة الكفاح السياسى بالقلم . وليس من الطبيعى ولا من الموضوعى فى شىء أن نفصل بين هذه الحركة السياسية وبين جماعة الشابى والحليوى وسعيد أبو بكر الداعية لأدب قومى تونسى والمعارك القلمية التى شبت من أجل ذلك . وكانت الدعامة الإستقطابية آنذاك مجلة العالم الأدبى
أما الفتره الثانية وهى الأربعينات فترتكز على أرضية سياسية تتميز بالمحن التى قاستها الحركة الوطنية الجديدة وبروح المأساة التى مر بها الشعب التونسى فى شعوره يتمزقه وتهديد كيانه ، تصدعا وذوبانا ، فكان
أدب الدوعاجى والمسعدى وتصوير صارخ للفشل الذى منيت به الشخصية التونسية فى محاولتها فرض الوجود وكانت مجلة المباحث هي الجامعة لهذه القوى والمعبرة عنها .
أما الفترات الثلاث الأخرى فهى التى انطلقت بعد الاستقلال وكانت مجلة الفكر هى التى جمعت القوى فى كل مرة ، وأبرزتها ، وعملت على تدعيمها . فكانت فترة الانتصار السياسى التى ظهرت فيها نزعة الاعتزاز بالادب التونسى وبوجوده وبالقدرة على فرض الوجود ثم ظهرت الفترة التى بدا فيها الشعور بالمجهود الواجب بذله من الناحية السياسية والاقتصادية ولازمه وعى حقيقى بمواطن الضعف وبالأشواط الواجب قطعها فكان أدبا يصور هذه الحيرة ويبرز الحالة الاجتماعية البائسة او ما يوحى بها عند وصف البيئات الغابرة ، ثم جاءت فترة عصيبة هددت المجتمع التونسي فى حيوى هياكله وظهر خوف على المكاسب فى أواخر الستينات وبداية السبعينات برز فى حركة أدبية تدور حول الظاهرة اللغوية وكانت مجلة الفكر هى ايضا المحرك لها والمعبر عنها .
هذه هى الخطوط العريضة للحركة الأدبية في تونس منذ أربعين سنة والتى بدونها لا يمكن فهم الأدب التونسى على وجهه الصحيح . واني إذ حصرت هذا التحليل فى هذه الخصائص القليلة فهذا لا يعنى أنى طرحت كل الميزات الأخرى التى لها قيمتها ما فى ذلك شك وخاصة منها الايمان الذى كان يحدو الجماعة التى تلتف حول المجلة المستقطبة : إيمان يتونس قبل كل شئ ، وبالأدب التونسى بصفة خاصة والاعتزاز بالشخصية الأدبية التونسية . خذ أية فترة من هذه الفترات فلن تحد من حاد عن هذه الظاهرة . كما انه من غريب الأمور أن امتازت أغلب الفترات بالالحاح على مكانه اللغة العريبة والدفاع عنها وشن المعارك الكلامية من أجلها والامعان فى الدعوة إلى تطويرها وترقيتها .
وليس من ذنبنا ، إن كان فى الأمر ذنب ، أن استقطبت محلة الفكر فترات ثلاثا وعمرت عشرين سنة ولا تزال ، وهى فى تحديها للزمن وفى حيويتها وقوتها وصواب منهجها تثير التحفظ من بعض المحللين لدورها الكبير فى تدعيم الأدب التونسى ؛ فهي " المجلة شبه الرسمية " ) 1 ( تارة وهي المسكوت عنها وعن رجالها تارة أخرى مع أنها قامت بالدور الفعال فى أعظم الحركات الأدبية التى عرفتها تونس المستقلة وهم ذلك المجلة " الموالية " التى تخلى عنها " الجناح الجامعى " ) 2 ( ثم " الجناح الثورى 2
مع ان الجامعيين الذين ما زالوا يجيش بصدورهم جائش يكتبون الى الآن فى المجلة كلما سمحت لهم ظروفهم بذلك وأن الثوريين الذين يعتز بهم هؤلاء برزوا من على صفحات " الفكر " ولا يزال من صدقت ثوريته " وعمر الخلق قلبه ولم ينضب معين الأدب فيه ولم يخلد إلى السهولة يتجه الى مجلة الفكر ويعتز بها .
وليس من ذنبنا أن أقبلنا نقوى الأدب الحي ونأخذ بيد الأدب الناشىء الفتى ، ونعطيه من تجربتنا ليتلافى العثرات فيبرز ويترعرع ويقوى كلما بقى منضما إلى صفوفنا مؤمنا برسالتنا ويتعثر ويتهافت ثم يتلاشى إذا هو ابتعد عنا وتخل عن الانتساب إلينا . وليس معنى هذا أننا ندعى الحكمة أو العصمة وننفرد بالحقيقة وإنما غاية ما نقوم به هو أننا نوفر الظروف الملائمة لبروز كل أدب صادق حى ونحترم طاقة الابداع فى كل من ينتسب إلينا ونترك له حريته كاملة ونعمل على استكمال شخصيته الأدبية بكل الوسائل الشريفة سواء فطن إلى ذلك أو لم يفطن
فهل ليس من ذنب لنا إلا أننا تلافينا اسباب الفناء الكامنة فى المجلات الأخرى وتحديثا " السنة " التى درجت عليها ولم يكتب علينا ما كتب عليها من احتجاب أو تعثر أو تذبذب . وهلا نحظى بالعطف والاطراء والاقلاع عن السكوت عنا إلا إذا سكنتنا الأمراض والعقل التى كانت ، ويا للأسف كامنة فى مجلات كان لها فضل كبير على الأدب فى تونس
وعلى كل فلقد أردنا بهذه السطور التعبير عن رأينا حتى يطلع القراء على نظرتنا فى الأدب التونسى إلى جانب ما صدع به الآخرون ولهم أن يتبينوا الحق من الباطل ولا يغتروا بالمنهج " العلمى الموضوعية وباطنه الزيف والتضليل
أما نحن فما ضون فى منهاجنا يحدونا الايمان بما نقوم به من عمل ولا يزعزعنا تساكت المتساكتين ولا تربص المتربصين ولا تضليل المضللين ونقول لهؤلاء ولغيرهم الذين قد يذهب بهم الظن إلى أن هذه المحلة أصبحت مهيضة " الجناحين " ) الجامعي والثورى ( : تصفحوا هذا العدد والأعداد التى قبله تجدوا أسماء جديدة وإنتاجا طريفا وهو خير ما نجيب به هؤلاء إذ نشفق على أنفسنا أن ننساق مع الظالمين للأدب التونسى فندخل معهم فى مناقشات سلبية أو نعطيهم من جهودنا فوق ما يستحقون . وفي الختام ليس لنا من قول إلا ما ورد فى هذه الآية الكريمة : " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره . . . " .

