يلاحظ لنا بعض الاصدقاء من المثقفين ان مجلة (( الفكر )) ، تفسح المجال أكثر فأكثر أمام الشاب فتتبنى إنتاجهم قبل ان تنض تجاربهم وتتبلور أصالتهم وتبرز قيمتهم الادبية وطرافتهم الفنية فتفرض نفسها فرضا ، ويشفقون على المجلة من ان ينزل مستواها دون ما بلغته بعد جهاد دام أربعة عشر عاما ولا يزال متواصلا .
وهم بهذا الانتقاد اللطيف يفسحون لنا المجال لنؤكد بعض ما لم نزل نعتمده ونرجع اليه من الاصول والقيم منذ أن أسسنا هذه المجلة .
ليست الفكر حكرا على (( أعيان )) الادباء و (( أعلام )) الثقافة المرموقين ، فهى تتشرف بنشر انتاجهم وترو ان يكون مرجعا ومرشدا ومعينا يتغذى منه الشباب ، ولكنها فى الوقت نفسه تسعى الى خلق أجيال جديدة من الكتاب فتتحسس القيمة الادبية فى كل محاولة مهما كان صاحبها وتأخذ بيد كل من تتوسم فيه القدرة على الخلق وترعى خطواته الاولى وتحرص على ألا تصدمه أو تشككه فى نفسه ، بل تزوده بالقدر الضرورى من التشجيع من دون مغالطة أو تواطؤ ، اعتقادا منها ان خدمة الادب لا تنحصر فى التعريف بالموجود أو التباهى به بل تتعداه الى الكشف عن المواهب الجديدة ورعايتها وتوجيهها ، شعارها : لا ارستقراطية فى الأدب ولا حقوق مكتسبة بل حظوظ متساوية وفرص متكافئة على أساس القيمة الذاتية بوصفها ملكة تنمو وتصقل وتزدهر بالمعاناة والعمل المضنى المتواصل .
وكذلك لانفهم الشباب بالرجوع الى السن بل نؤمن بأنه حالة نفسانية ومرونة عقلية واستعداد روحانى لتقبل الجديد والتلاؤم مع العصر ، وأنه تفتح ويقظة وتحنب للرتابة والاطمئنان الى كثافة الذكريات ، أما عكس الشباب - وليس هو الكهولة أو الشخوخة دائما - فهو التحجر والنظر الى الماضى بعد تقديسه وتحنيطة ! عندما نشجع الشباب إنما نؤكد عزمنا على تمكين الادب والثقافة في هذه البلاد من نسغ جديد متجدد نكون بفضله متبوعين لا تابعين ، منتجين لا طفيليين ، روادا لا مقلدين ! الماضى نستلهمه ونقبس منه لعقل الحاضر والتهيؤ للمستقبل والثقافة لا تحيا ولا تشع إذا اقتصرت على الموميات !
واذا كانت العبرة بالنتائج فنحن نحمد الله على ان ساهمنا فى التعريف بعدد كبير من الشعراء والقصاصين وتشجيعهم يوم كانوا (( شبابا )) مغمورين ! واذا كان البعض لا يستسيغ الا الثمرة الناضجة المعروضة فى واجهة الدكاكين فنحن نؤثر الجهاد المتواصل من أجل المساهمة فى انتاج الثمار اليانعة وإن كان هذا العمل لا يخلو بالطبع من محاولة وخطا .
وسنظل دائما شبابا رغم تقدم السن ، وفى خدمة الشباب ، لأن إيماننا بالشاب معناه إيماننا بان الغد سيكون خيرا من اليوم كما أن اليوم خير من الأمس !
- الفكر -
