" إنى أرى من واجبى الوفاء إلى ارواح ابن رشيق وابن شرف وابن هانئ وابن خلدون والشاب في هذه البلاد التى خلدوا فيها بمآثرهم روح الحضارة العربية والفكر العربى . أرى من واجبى المحافظة على ما بذروا من صالح الغرس ، لأني بدمي وجوارحي ووراثتى وعقلي اشعر بتضامنى مع الاجيال الماضية من أمتى وأرانى خائنا لهم غادرا بهم إذا انا انصرفت عن روحهم الذى به كانت هذه الأمة أمة وبه انتست الى الجماعات البشرية التى تستحق الحياة ولها على الحياة حقوق .
وما راحتى وما سعادتى العائلية وشؤوني المنزلية إلى جانب واجب المقدس ؟ اني أرى بعضهم لا يمدون أيديهم الى خدمة الادب إلا إذا أغدقت عليهم الأموال وهيأت لهم الأجهزة المادية الكاملة . أما إذا كانوا عزلا عن ذلك فهم يكتفون بالتشاكى والتباكى ويقولون : من للأدب ومن للثقافة بهذه الربوع ؟ وانا مؤمن بأن العزم يكسر الحجر كما نقول - أو يقلب الجبال كما يقول الانجيل . ولقد دخلت معترك الأدب أعزل وبذلت فيه جميع قواى الجسدية وجميع أوقاتى وامكاناتي المالية . وما أنا مان على أحد .... ولا على شئ . وإنما أريد أن أقيم لنفسي أولا ولغيرى ثانيا الدليل على ان خدمة الادب فى هذه الربوع ممكنة على شدة مؤونتها ومشقتها ولو قامت على كاهل فرد أو بعض أفراد ... شرط أن يكون ذلك الفرد أو أولئك الأفراد القليلون أدباء حقا ، أعني مقتنعين بأن الأدب والتضحية لا يفترقان " .
يصعب أن نضيف شيئا الى هذا البيان الصادق الذي عرف فيه - منذ حوالى ربع قرن - المرحوم محمد البشروش مجلة " المباحث " وأحد رواد النهضة الأدبية بهذه البلاد حقيقة الأديب ومسؤوليته وأكد معنى التضحية وروح البذل اللذين يلازمانه دوما . وحسبنا ان نورد هذه الشهادة المؤثرة عبرة للشباب وشاهدا على ما لم نزل نلتزمه وندعو اليه منذ اكثر من اربعة عشر عاما ، ودعوة الى بعض " الأدباء " .. حتى يكبحوا جماح " واقعيتهم " ويراضوا انانيتهم ويهتدوا الى المثالية وتجاوز الذات لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل " .
