انعقد فى اوائل شهر ديسمبر المنصرم بالرباط مؤتمر علمي نظمته بعض الهيآت الدولية وحضره جمع من الاختصاصيين الامميين في شؤون التغذية، ودرس الوسائل الكيميائية والحياتية التى تستعملهاالصناعة الحديثة لإفراز مادة " البروتين " بالاعتماد خاصة على الاسماك والمخلوقات البحرية ، ومضاعفة انتاجها وتكييفها لتمكين البشر من استهلاكها والتخفيف بذلك من وطأة الجوع الذى يهدد الانسان سبب تضخم التزايد العمرانى .
ذلك أنه يولد في الوقت الحاضر طفلان كل ثانية وأنه اذا بلغ عدد سكان العالم اليوم ثلاثة مليارات ونصفا بعد مآت آلاف السنين من ظهور الحياة فإن هذا العدد ستضاعف بعد ثلاثين سنة فقط ! حتى ان بعض علماء العمران والاقتصاد وصفوا هذا التزايد في النسل بالانفجار واعتبروه نكبة وخطرا مهولا بينما هو في الواقع ثمرة ذكاء الإنسان وانتصاراته العلمية والطبية !
على ان نسبة التزايد في النسل اكبر بكثير في العالم الثالث منها فى العالم المتقدم فمنذ سنة 1930 الى اليوم تقدر الزيادة في اروبا بمائة مليون نسمة بينما هي بلغت في آسيا ما يقرب المليار ، ويتوقع أن تعد اروبا وامريكا الشمالية وروسيا واليابان واستراليا جميعا مليارا ونصفا من السكان سنه 2000 بينما سيبلغ سكان افريقيا وآسيا وامريكا اللاطينية فى آخر القرن خمسة مليارات ونصفا!
ولا شك ان هناك علاقة بين الفقر وتزايد النسل ، وارتباطا متينا بين الفقر ومستوى التربية الذى يؤثر بدوره فى تزايد النسل ! فهل قضى علينا نحن ابناء العالم الثالث ان نلاحق دائما هدفا ونحن نعلم مسبقا ان من منزلتنا الإقتصادية ومستوانا الإجتماعى يحولان دون بلوغه ؛ وما هى مسؤولية العالم المتقدم فى التغلب على هذه الأزمة والخروج من هذه الدائرة المفرغة الفاجعة ؛ وما هى الوسائل الحاسمة لتهذيب النسل وتربية الجماهير بالخصوص للقضاء على خطر المجاعة الذي يهدد الملايين من البشر ؟
هذا وجه للقضية ! إلا ان هناك وجها آخر يهمنا بالدرجة الأولى بوصفنا مثقفين ننتمي الى العالم الثالث.
ذلك ان الايمان العلمية الحديثة اقامت الدليل على نشاط العقل وحيوية " المادة الشخماء " مشروطان يتوفر مادة " البروتيين " الموجودة فى اللحوم والاسماك والبيض خاصة ، وهى أغذية لا يقدر عليها الفقراء ، كما بينت الإحصائيات أن أدمغة الاطفال المعوزين تنقصها نسبة عشرين فى المائة من الخلايا!
ومعنى ذلك ان العالم المتخلف اقتصاديا متخلف عقليا فثقافيا!! فهل يجب ، فى مطلع السنة الجديدة ، ان نطالب رجال الفكر والثقافة فى بلدان العالم الثالث - والعالم العربى على الخصوص - بمزيد الانتاج والخلق والمساهمة فى رفع مستوى شعوبهم وتكييف حضاراتهم أم هل يحسن ان نطلب لهم وللناشئين بوجه خاص مزيدا من " البروتينات " ولو كانت صناعية ومستخرجة من اعماق البحار أو مشتقات البترول ، على نحو ما أوصت به الندوة العالمية المختصة التى اجتمعت فى الشهر الماضى !؟
الكلمة لرجال الفكر... بشرط أن يأخذوا مسبقا نصيبهم من « البروتيين »!... الفكر

