نوالت المؤتمرات والايام الدراسية منذ أشهر وتعاقبت التصريحات الرسمية والمحاضرات والمقالات فى الجرائد والمحلات . . . تنذر بالخطر الذي يهدد بفناء البشرية بسبب تلوث الهواء ويكاد يجمع العلماء ورجال السياسة والاعمال على أن هذا الخطر أشد فتكا وأبعد أثرا من خطر القنابل الذرية .
فالجو الذي نعيش فيه والهواء الذي نتنفسه والماء الذي نشربه والبحار والانهار . . . كلها تتلوث وتفسد وتتراكم فيها عناصر الفناء نتيجة تكاثر وتكاثف دخان المحروقات الزيتية فى الصناعة ونشاط محركات الطائرات والعربات المتزايد ، وتراكم المواد الكيمياوية المبيدة للحشرات والمستعملة بالخصوص فى الزراعة العصرية .
فكأن التقدم العلمى و الفنى الذى هو عنوان فخر للانسان ودليل علي سلطانه فى هذه الدنيا أصبح العامل الفتاك الذي بهدد كيانه ، والشاهد العدل على عجزه وقصوره فى السيطرة على اكتشافاته ومواجهة المضاعفات الناتجة عن غزوه للطبيعة وتسخيرها لرفاهيته وسعادته .
فهل نحن أمام محتوم وتطور مفروض ، ليس لنا قوة ولا حول للرد على انتقام الطبيعة ومواجهة تحدياتها ؟ لا نظن ذلك ! المسألة تهم الانسان اولا وتتصل بضميره وقدرته على تبين الواجب والتمييز بين الخير والشر .
ان القضية أخلاقية قبل ان تكون فنية أو علمية أو سياسية . ولعله من الصواب قبل تحليل اسباب تلوث الطبيعة أن ندرس تلوث ضمير الانسان والتباس السبل عليه وتغلب النفس الامارة بالسوء فيه وما يعانيه من هيمنة الانانية وحب السيطرة والقهر والتكالب على الربح السريع والاغراق فى الملذات والتماس الكسب الوافر دون الجهد الكافى .
وليست الحروب والاستعمار والعنصرية الإ جوانب لظاهرة واحدة هى ان التقدم الاخلاقى لم يواز التقدم العلمى والتكنولوجى .
فهل نتنكر للتقدم بعد هذا ؟ وهل نتأسف لما حققه الانسان من باهر الانتصارات ورائع الاكتشافات ؟ لا نعتقد ذلك . لأن الانسان حقق انتصارات كثيرة على نفسه وأصبح حظه من الكرامة أكبر من ذى قبل ، ولأنه قادر على تحدي واقعه وتجاوز ضعفه وبناء المعمورة الفاضلة التى يحلم بها ويتوق اليها .
ولا شك ان اختصار المراحل الى هذا الهدف وضمان اسباب النجاح يتمثلان بالخصوص في التربية إذ هى التى تكيف البشر منذ نعومة أظفارهم وهي التى تهديهم الى الخير والحق والجمال ، وهى التى تنشئهم على التحابب والتسامح والتآزر وتجعل منهم اخوانا .
وإذن فليست الحلول الفنية والعلمية والسياسية التى قد يستنبطها أهل الذكر لمواجهة تلوث الطبيعة هى الكفيلة وحدها بضمان حياة البشر وسعادتهم بل المشكل يتمثل فى الاهتداء الى ماهية وأساليب التربية القويمة التى تصون الضمائر من التلوث وتزكى النفوس من الأدران .
