الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ

Share

ظلت الانسانية قاطبة - اذا استثنينا الصين الشيوعية - مشدودة الى مسار المركبة الفضائية (( أبولو 13 )) طيلة ما يقرب من أربعة أيام وهى تحاول الرجوع الى الارض سالمة بعد ما أصابها من عطب فى جهازها الكهربائى . وبينما تم انطلاقها يوم 13 افريق فى شبه لامبالاة جماعية ، ناهيك ان الجماهير الامريكية احتجت لتغيير برامج التلفزة بسبب اقحامها وصفا مباشرا لعملية اقلاع أبولو 13 ، تضاعف الاهتمام وتوترت الاعصاب وبلغ التعاطف والشعور المأسوى الحد الاقصى منذ أن اكتشف الناس محنة رجال الفضاء الثلاثة وامتحانهم العسير تجاه الخوف والارتباك واليأس وتكالب العناصر الطبيعية الجبارة عليهم . وعم جميع البشر الشعور بوحدة المصير والاشتراك المباشر فى هذه المغامرة التى ظلت أياما تتأرجح بين المأساة والملحمة ، على نحو ما غمر الدنيا قاطبة فى شهر جويلية 1969 يوم وطئت أقدام الانسان القمر لاول مرة .

ومما ينعش حقا أن يشعر الجنس البشرى من حين لآخر بما يجمعه ويوحده ويكسبه المجد والعظمة ، وليس السر فى ذلك مجرد العطف والشفقة على ثلاثة رجال فى صراعهم مع الموت إذ لم يكد العالم يحرك ساكنا عندما قذفت طائرات اسرائيل مدرسة ابتدائية بمصر فى نفس الفترة فقتلت عشرات الأطفال الأبرياء ، ولم يتأثر الناس كثيرا لمحق مآت من الفيتناميين بكمبوديا فى نفس الظرف ولا حركوا ساكنا لما يقاسيه اخوانهم هنا وهناك من آلام التعذيب وقسوة السجون وفظاعة التقتيل . . . إنما السر فى تبلور شعور التضامن فى العالم بأسره مع الرواد الثلاثة مرجعه طموح البشر الى تجاوز الذات وتحدى الطبيعة والاستعداد المتواصل لدفع ثمن التقدم وغزو المستحيل .

وإنه لشرف للانسان وعنوان عظمة ان يوجد دائما متطوعون ليغامروا ويواجهوا الموت فى سبيل المعرفة والعلم ، ورجال لا يتصورون النصر والنجاح من دون جهد ومجاهدة ، ولا يرضون بالانتصار من دون مسابقة ومنافسة وعرق جبين .

ولقد كان (( لوفل )) و(( سويغر )) و(( هايز )) مثالا منعشا فى ضبط النفس وروح التعاون والشجاعة الادبية والبدنية وكان العلماء والفنيون بقاعدة (( هوستون )) فى منتهى الروعة من حيث الدقة وسرعة البديهة والسيطرة على العواطف . . . وأقام الجميع الدليل على ان الآلات الالكترونية والاجهزة الفنية مهما تعاظم دورها فى عصرنا فان الانسان هو القدير على تسخيرها واستغلالها وتجاوزها وانه بذلك يمسك مصيره بيده ويكيف وجوده بمحض إرادته ، وأن الغلبة للروح فى آخر الأمر .

ومهما تكن من حجر التكاليف المالية وأهمية الضحايا والتضحيات البشرية فان مغامرة (( أبولو 13 )) كالمغامرات التى سبقتها فى كل الميادين ستبقى على ممر الايام درسا فى الشجاعة ومثالا للتضامن البشرى وآية لعظمة الانسان . . . ينال ما وراء العرش ويرجع الى الارض سالما ، وهو يرنو دائما الى أعلى !

اشترك في نشرتنا البريدية