مهما أعدنا القول وأكدنا على ضرورة تونسة برامج التعليم والنضال من اجل ثقافة قومية لضمان مناعة الأمة ووقايتها من المسخ والتبعية . فلن نوفى الموضوع حقه ، لأن داء التفتت والاضمحلال الذى يهدد الكيان القومى ، كالسرطان ، يدب متسترا ، متقنعا ، فيغدر غدرا ، وكالأفيون يبلد الحس ويسمم الروح وهو يوهم بالقوة والنشوة التى تؤول إلى الفناء .
وكما تسيطر الدول العظيمة - فى الشرق والغرب على السواء - على الشعوب الأخرى ، فتبسط نفوذها الاقتصادى والمالى ، فانها تسعى كذلك الى الهيمنة الفكرية والإشعاع الثقافى ، منتحلة براق الشعارات وزائف الغايات ...
وبقدر ما يكون التعاون الدولى مثمرا وايجابيا لكل الأطراف عندما تكون للشعوب شخصية ثقافية ومفكرون وعلماء وفنانون شاعرون بأصالتهم ، محافظون على طرافتهم وخصوصيتهم ، واعون لحقيقة الحوار وما يقتضيه من أخذ وعطاء ويفرضه من احترام وتقدير متبادل ، فانه ينقلب الى عملية غزو وسطو عندما تضغط ثقافة الدولة القوية على ثقافات الشعوب الأخرى بدعوى التمدن والمعاصرة وضرورات (( الفن السامى )) و(( الثقافة الراقية )) . . .
على أن المسؤولية - فالذنب - لا تقع دائما والحق يقال - على الدول الكبرى بل كثيرا ما يحذر أفذاذ المثقفين والمفكرين فيها من مغبة التقليد الذى سرعان ما تقع فيه (( النخبة )) المنتسبة الى بلدان العالم الثالث ، فتدفن أمجاد تاريخها وتتنكر لقيمها الأدبية وخصائصها الحضارية وترتدى ما تخيطه لها الأيادى الأجنبية من أزياء لتظهر فى مظهر التقدم و (( الأناقة )) الثقافية ! ولعل رئيس الجمهورية الفرنسية - وهو الكاتب والأديب المعروف - هو آخر من ذكر - منذ شهرين تقريبا وبمناسية تدشين بناية جديدة لمنظمة اليونسكو بباريس - بأنه لا تفاضل بين الثقافات وأن التعاون الثقافى الدولى يجب ألا يسعى الى التوحيد بل عليه أن يشجع على التنوع ومساعدة كل المدنيات على النمو حتى يثرى بعضها بعضا .
فاحترامنا لأنفسنا وإيماننا بماهية التعاون البشرى والحضارة الانسانية واستيعاننا لابعاد معركتنا الفكرية وصراعنا من أجل الحياة الكريمة تفرض علينا جميعا أن نستقى من ينبوع حياة الأمة وروحها ونعتز بتراثنا ونرسخ الوعى بجذور أصالتنا وعراقة وجودنا .
وليس كالتربية والتعليم سبيل الى خلق أجيال تونسية صميمة ولا تربية ولا تعليم اصيلين من دون برامج متونسة وتمسك بأقدس مقومات هذه الأمة . فعسى أن يوفق الأساتذة والمربون ، العاملون منذ شهرين ضمن لجان مختصة ، إلى إعادة النظر في مراكز اهتمام البرامج ، وإحكام توزيع المواد على مختلف سنوات درجات التعليم الثلاث __ وخاصة بالنسبة لللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والتربية الدينية والمدنية واللغات الحية . . . وأن يحسنوا اختيار النصوص على أساس الاعتدال بين الحرص على الأصالة القومية وضرورة التفتح على الدنيا ، وعسى ان يضبط مخطط للتعريب يراعي الشروط الكفيلة بالحفاظ على المستوى ، بل يعمل على الرفع منه .
هذا رجاؤنا نقدمه بمناسبة إصدار آخر عدد للسنة الخامسة عشرة لهذه المجلة التى ستواصل النضال من أجل أن تعود لهذه الأمة روحها . وهذا نداؤنا نتوجه به الى رجال التعليم الذين لا نخالهم إلا فى مستوى الرسالة المقدسة التى حملهم إياها تاريخ تونس المعاصرا فحملوها !

