الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ

Share

(( الفكر )) و أدب الشباب

حكى (( ستندال )) الروائى الفرنسى الشهير فيما حكى انه كان فى طور شبابه الاول لا يزال قلمه مرفوعا ينتظر ما تجود به القريحة ولم يسعفه الحظ حينذاك فوجد صديقا خيرا يقول له (( خط كل يوم عشرين سطرا سواء كنت عبقريا أم لا )) .

تلك هى الصورة التى أصبحت معهودة بالنسبة للشاب الذى يخطو خطواته الاولى فى عالم الخلق الادبى : خوف من المغامرة فى لون مغر ، زلوق ، من بين الوان التعبير ، وخشبة آثمة أمام الاقدام على ضرب من السيطرة على العالم والتواجد مع الآخر ، وأكثر من ذلك جهل لسر من أسرار الكتابة به ينطلق القلم فكاكا لاسر النفس ، معبرا للمعانى والافكار ، مطوحا بالغير فى متاهات الخيال تارة ، وفى أعماق الواقع طورا آخر .

ورغم ذلك فان جحافل الشباب التى تخوض غمار هذا النوع من التعبير كثيرة ، وان ثبت منها فى دربه القليل ، ذلك أن بين الادب والشباب أكثر من رابط ولعل الذى يقرب بينهما هو ما فى هذا وذاك من توق الى المجهول ومن شغف البحث عن الجديد من الافكار والمعانى والاشكال ، ومن صور الحياة الزاخرة بنماذج البشر واللقاءات الغنية الخصبة .

اذا كان هذا شأنهما فانه لا غرابة أن تتصدى اليهما المجتمعات (( المستقرة )) لتجابه الادب الحق بالكبت حينا وبالتشويه والتنديد حينا آخر ، ولتكبل الشباب الحى حتى لا يشق طريقا آخر تتطور به القيم وتنحو نحوا ديناميكيا لا يستقر به قرار من ألف القرار .

لهذا فان ما يخافه الادب فى المجتمعات العصرية هو ان يقتل باسم التقنية والتكنولوجيا ، وباسم الخبز والانتاج و (( الايديولوجيا )) وبصورة أوضح أن يذهب ضحية الفعل ، بينما الفكرة المترعرعة فى أحضان الادب المعبر عن مجالات الحياة المتنوعة ، هى المحركة للمجتمعات والخالقة للتقدم والحامية من كل تدهور وانحطاط . وقديما قال فوته :

(( يجدر بنا أن نعد من قبيل قوانين الحياة ما همست به عبقرية العقل البشرى فى أذن كل وليد من واجب وضع الفعل على محك الفكر والفكر على محك الفعل )) .

وكذلك فان ما يخشاه الشباب فى المجتمعات العصرية المهكلة ، المنظمة والمخططة تخطيطا شاملا بفضل التقنية والتكنولوجيا هو أن تسد عليه أبواب الخلق ، وتفرض عليه حلول جاهزة لا طاقة له فى مواجهتها وتغيرها ، فيصبح آلة مسخرة لخدمة ما لا يرضاه من القيم ، ودولابا يظن أنه الحاكم بأمره وهو ضحية لا تعرف فى سبيل من وما ضحت .

ولقد توفر للادباء الشبان منذ الاستقلال ، فى تونس الشاعرة بهذه العلاقة بين الشباب والادب ، منابر يصدعون بآرائهم من فوقها ويستوفون بواسطتها تجاربهم ، من مثل مجلة الفكر ومجلة قصص والملحق الثقافى للعمل واللجان الثقافية المحلية والجهوية وبالخصوص فتحت الاذاعة الوطنية حصة هواة الادب ، ونظمت لها ملتقيات سنوية وفسحت المجال للشاب ليتمرس على الكتابة والتعبير ومكنت الاساتذة والادباء من توجيهه وتوضيح الطريق له فكانت منطلقا لجانب كبير من الادباء الشبان الذين عندما يشتد عودهم ويغادرون الحصة ، يبقى لهم هذا الحنين اليها فيتعهدونها باللقاء من صنف الى آخر فى ملتقاها السنوى .

ولقد أحببنا ان نسجل فى عدد خاص من هذه المجلة ملتقى من هذه الملتقيات يضم الى جانب صنف من أدب الشباب الذى بز أقرانه طيلة هذه السنة ، مشاركة نخبة من الادباء والاساتذة حتى يكون القارئ على بينة ، وحتى يمكن له قطف ثمرة مكتوبة مما تلاقفته امواج الاثير ورددته على مسامع الجمهور .

ولعلنا بهذا العدد نكون قد ساهمنا فى التعريف بمنتدى كان له اثر ، ولا يزال ، فى الاخذ بيد النابتة ، وان لم يشمل كل الادباء الشبان ولم يحتضن كل تجاربهم ولعلنا بذلك نكون من جملة الاصدقاء الخيرين على حد تعبير (( ستندال )) الذين أسعف بهم الحظ شباننا الادباء .

اشترك في نشرتنا البريدية