الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ

Share

هل يجب نسف المدرسة ؟

هذا هو السؤال الذى أخذت تردده فئة من المنتسبين إلى التربية والسياسة   أصابتهم لوثة الثورية المحمومة ودهتهم داهية الهذيان المذهبى بدعوى بناء المستقبل على أنقاض الماضى والادبار عن الحاضر .

وهو العنوان الذى قدمت به جريدة (( لوموند )) الفرنسية منذ ثلاثة أسابيع تقريبا ما سمته (( ظاهرة إليتش )) القسيس النمساوى الذى ألف فى السنوات الأخيرة كتابين بعنوان (( تحرير المستقبل )) و (( مجتمع بلا مدارس )) فلفت إليه الأنظار واستقطب اهتمام المسيحيين اليساريين من نزعة مجلة (( اسبرى )) الفرنسية التى نشرت له ثلاث مقالات ( 1 ) ومجلة (( توجيهات )) الكاثوليكية التى خصته بدراسة هامة فى عدد جانفى الماضى ، كما آتفق - فى آخر المطاف - مع رأى جماعة من علماء الاجتماع الفرنسيين المعروفين بنزعتهم الماركسية اللينينية المتطرفة وانبهارهم بالنموذج الصيني (2) .

وهو أيضا الموضوع الذى أصبح محور مناقشات المربين ومدار مؤتمرات رجال التعليم وفى مقدمتهم الداعون الى التكوين الذاتى والمؤمنون بالبيداغوجية العصرية وما تقتضيه من (( مناهج نشيطة )) وكذلك القائلون بنظرية (( مدرسة  من دون جدران )) الذين يرون أن أنفع الدروس وأبقاها أثرا هى تلك التى تلقى بالنوادى والمعامل والادارات والمتاحف والمكتبات ودور الثقافة ، لا بين جدران المدارس .

وهو - أخيرا لا آخرا ! - الدواء الذى يراه بعض السياسيين المحتكمين - فى تسيير شؤون المجتمعات - الى نواميس الاقتصاد والارقام الجافة - لا الجوفاء -

لعلاج أزمة ارتفاع تكاليف التربية والتعليم المتزايدة بصورة أصبحت تهدد النمو وتؤذن بآختلال التوازن الاجتماعى وتنذر بالويل والثبور ! والأدهى والأمر هو أن بعض المتشائمين يعتقدون أن نتائج التعليم فى كافة البلدان وخاصة منها البلاد المتخلفة ليست فى مستوى التضحيات المالية مما لا يبرر فى نظرهم التمادى فى سياسة هى الى العاطفة أقرب منها الى العقل .

إن أولئك وهؤلاء جميعا يكادون يتفقون - رغم اختلاف مشاربهم وفلسفاتهم فى الحياة - على ان عهد المدرسة فى مفهومها المتعارف قد ولى وانقضى ! إنهم يرون أن التعليم فشل فى تبليغ العلوم والمعارف الى الاجيال الصاعدة وأن الأنظمة التربوية تجمد الطاقات وتئد المواهب وتدعم الواقع الموروث والهياكل الرجعية ، وتساند الأنظمة القائمة الظالمة وانها بذلك تعرقل زحف الديمقراطية وتحول دون التقدم الاجتماعى والتحرر الفردى ،  بل إنها تفرز دائما أقلية من المحظوظين يواصلون السيطرة على الطريق الموصلة الى الحكم السياسى والنفوذ الاجتماعى والاقتصادى ، وهم الذين ينعتهم (( إليتيش )) برأسماليى المعرفة ! )) ( Capitolistes du Savoir ) ويتهم الاساتذة بالغرور عندما يعتقدون أنهم يملكون - وحدهم - الحق الشرعى فى نبليغ العلم (1) .

ونحن فى تونس لا يمكن أن نساير هذا الاتجاه الغريب ، لأن المدرسة كانت منذ أواخر القرن الماضى ولا تزال الى اليوم الطريق الوحيدة للخروج من ظلام الجهل وغياهب التخلف ، والارتقاء الى أعلى المراتب العلمية والاجتماعية وتجاوز المنزلة الدنيا التى فرضتها عصور الانحطاط ودعمها النظام الاستعمارى لبسط نفوذه على الجماهير الشعبية .

فقد ركز المصلح خير الدين النهضة على العلم وأسس خاصة المدرسة الصادقية التى ستحتفل سنة 1975 بمرور قرن على بعثها ، وناضل جماعة الشباب التونسى فى مطلع القرن العشرين من اجل الاقبال على التعلم وضغطوا على السلطة الحاكمة حينذاك كى تمكن التونسيين من دخول المعاهد التعليمية وتسابق أبناء البلاد الى فتح المدارس القرءانية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية فتمكن عشرات آلاف المواطنين من تغيير ما بهم وما وجدوا عليه وطنهم فكسبوا بذلك حريتهم وعادت لهم ولوطنهم الكرامة المفقودة .

وإن المجهود الذى بذلته الحكومة التونسية منذ الاستقلال فى سبيل نشر التعليم يكاد يكون فريدا من نوعه ، ناهيك أن ربع سكان الجمهورية تقريبا مرسمون اليوم بالمؤسسات التعليمية على مختلف درجاتها ، وان ثلث الميزانية مخصص للتربية ، وأن عدد التلامذة أصبح سنة 1972 خمسة أضعاف ما كان عليه سنة 1956 ، فهل يمكن أن يقال أن المليون والمائتى ألف فتى وفتاة الذين فتحت فى وجوههم أبواب المدارس والذين سيأتون بعدهم أفواجا أفواجا سيحتكرون العلم وينفردون بالنفوذ ويدعمون المجتمع المتحجر الذى ينتسبون إليه وهل يحوز اعتبار هذا (( الانفجار المدرسى )) ظاهرة متنافية مع الدمقراطية معطلة لممارستها والعيش فى كنفها ؟

وإذا نحن مضينا فى الاستشهاد بالمثال التونسى لبيان تهافت أعداء المدرسة  (( التقليدية )) ، أليس من الطريف أن نذكر بحقيقة نعتبرها مفخرة لهذا النظام ودليلا على أنه ديمقراطى وشعبى وتقدمى فى جوهره وروحه واتجاهه ، وهو أن الأغلبية الساحقة لهؤلاء الآلاف المؤلفة من التلاميذ والطلبة ينحدرون من أوساط اجتماعية متواضعة جدا من الناحية الاقتصادية وأنهم تمكنوا من مواصلة تعلمهم بفضل مجانية التعليم وتمتع الأكثرية منهم بالمنح ومختلف التشجيعات الأخرى ؟  ثم ألم تخرج الفتاة التونسية بفضل المدرسة من القرون الوسطى وتستنر بنور المعرفة والعلم ، وتفرض وجودها فى مجتمعها وتنهض بواجباتها على قدم المساواة مع أخيها الرجل ؟ أليس فى كل ذلك (( ثورة )) اجتماعية حقيقية وتجسيم لما يسميه علماء الاجتماع (( بالحركية الاجتماعية )) .

بل ان الأنظمة المعادية للدمقراطية والمعرقلة لسير التاريخ ونهضة الشعوب  هى بالضبط تلك التى تقتر التعليم تقتيرا وقراهن على الجهل لاستبقاء امتيازاتها وضمان هيمنتها ولو الى حين !

على أنه اذا أتخمت بعض مجتمعات الاستهلاك ثروة واستهتارا وبذخا وأورثتها المدنية المعاصرة سآمة وقلقا ، فآنبرى بعض(( المفكرين ))فيها ينادون بالثورة والتمرد والكفر بالكائن والاستعاضة عنه بالأحلام او الفرار منه إلى المطلق والمحال ... فانه لا يحسن بنا - نحن أبناء العالم الثالث - فى هذه الفترة الحاسمة التى نبنى فيها حاضرنا ونخطط مستقبلنا - أن نكفر بنعمة المدرسة أو نخل بهيبة المعلم الذى نعتبره فى مقام الرسول ، لأن التفاضل لا يكون فى المجتمع العادل الا على أساس القيم الذاتية والاجتهاد والكفاءة ما دامت الحظوظ متساوية منذ البداية ولأنه لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، ولأن اللحاق بقافلة الدول المتقدمة لا يكون إلا بطلب العلم ولو فى ٠٠٠ الصين . على أن المشكل بالنسبة إلينا لا يتمثل فى معرفة ما اذا وجب تقويض اركان

المدرسة أم لا ، اذ لو كان الأمر كذلك لهان الجواب ولوقفنا من إيليتش وكل المتمردين على المدرسة موقف الاشفاق ولنظرنا اليه نظرتنا الى كافة ((الطرفاء)) ولو كانوا ظرفاء ، ولدعونا هذا الرجل ومن لف لفه الى محاولة تطبيق نظرياته ببلاده وفى كافة الدول المزدهرة - اذا رضيت به - ، لا فى المكسيك وبعض بلاد امريكا اللاطينية ، التى تتخبط مثل غيرها من بلدان العالم الثالث فى ألوان المصاعب والمصائب بسبب تقليد أنظمة الغير والتشبه به والنسج على منواله ولأنها رضيت بأن تكون مخابر يجرى فيها بعضهم تجاربه الغريبة ! ( 1 ) بل ان القضية هى أن الحياة العصرية أصبحت تضايق هذه المدرسة وتضعف من إشعاعها ، وتنافسها فى حق إبلاغ المعرفة ، حتى أن الاختصاصيين يؤكدون أن الطفل لا يغنم اليوم من المدرسة إلا نسبة % 30 من معلوماته ، أما البقية فانها تفد إليه - أو تفرض عليه - بواسطة الوسائل السمعية البصرية والشارع والصدف ٠٠٠

وإذا استطاعت الدول النامية التحكم فى الأنظمة التربوية وتكييفها بحيث تحافظ على خصائص القوم وأصالتهم وتأخذ بضرورات العصر وتقدم العلوم والفنون ، - لكن هل هى قادرة دائما على ذلك وهل يتيح لها (( الأذكياء )) من الخبراء الأجانب والأغبياء من ضحاياهم أن تنجح فى هذه التجربة ؟؟! - فانها قد تقصر دون مواجهة التيارات الاخلاقية والحضارية الوافدة إليها من الخارج وتعجز عن الوقاية الذاتية من الغزو الثقافى الزاحف عليها من كل صوب .

لذلك وجب فى الوقت الذى نواصل فيه بذل أقصى ما فى مقدورنا لتعميم التعليم ورفع مستواه وتأصيله أن نضاعف عنايتنا بالبيئة الثالثة ونشجع كل المبادرات الانشائية لنشر الثقافة الحق وإشاعة روح التربية السليمة وتهذيب ذوق الناشئة وتدعيم شخصيتها وصقل أداة تفكيرها وتزكية ضميرها حتى تتحرر بنفسها وتتجاوز منزلتها وتبلغ أعلى درجات الرفعة الانسانية . فالمدرسة الحية المتطورة والمتأصلة هى أداة التعلم الاولى والطريق الى الديمقراطية والعدالة والرقى ومهما رصدنا فى سبيلها وأحطناها بعنابتنا فلن نوفيها حقها لأن النهوض بالانسان لا يعرف حدودا

اشترك في نشرتنا البريدية