الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ

Share

الصرح الثابت

شهدت عواصم المغرب العربى الكبير الكبير - فى الأسابيع المنصرمة - نشاطا سياسيا زاخرا ومركزا على تدعيم التعاون الايجابى الخلاق بين الأقطار الثلاثة فى كل المجالات وعلى جميع المستويات . ولا شك أن زيارة رئيس الدول الجزائرية الى تونس والمغرب ورئيس الجمهورية التونسية الى الجزائر والمغرب عامل حاسم لخلق الظروف الملائمة لمزيد التقارب وتعزيز إرادة التنسيق والاتحاد فالوحدة بين شعوب المغرب والجزائر وتونس ، التى يجمع بينها التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والكفاح المشترك من أجل الحرية والكرامة وضرورة مواجهة تحديات الاستعمار المكشوف والمقنع ، ومغالبة التخلف الاقتصادى والاجتماعي والعمل المركز من أجل السلام والغد الأفضل .

ولئن كانت الوحدة مطلب الجماهير وحلم الشباب وضرورة يفرضها عصر كثرت فيه التكتلات الاقتصادية والسياسية وأصبحت فيه العزلة القومية والأنانية ضربا من ضروب الانتحار ، فان تحقيقها يتطلب آجالا طويلة وعملا كبيرا ومراحل كثيرة وتنسيقا ذكيا وصبرا جميلا ، ويقتضى بالخصوص الانتباه والروية واعمال الرأي حتى نجنب أنفسنا الطفرات الفوضوية والإنتفاضات السلبية والنكسات الأليمة ، فلا ننساق مع العواطف المحمومة بل نتعظ - سلبا وإيجابا - بما جرى ويجرى حولنا ، سواء في الشرق العربي او في افريقيا أو فى أوروبا الغربية .

لذلك لا نزال نؤمن بأن بناء الوحدة الاقتصادية فالسياسية يجب ان يكون على أساس صحيح متين ، أى أن يبدأ - أولا وبالذات - من القاعدة وان يتوج

امرا واقعا فى مستوى الشعوب ومتجاوبا مع نفسياتها ونظرتها للدنيا وموقفها من الوجود ، وأن ينطلق - بالتابع - من الأجيال الصاعدة ، وهذا معناه ان الأولوية يحسن ان تكون للعمل التربوى والثقافي الذي قد يبدو بطيئا خافتا ولكنه فى الواقع عميق الجذور قوى الأركان فهو الصرح الثابت الذي يجب ان يقام عليه مشروع المغرب العربى الموحد اذا اردنا له الاستقرار الحى والديمومة والصمود أمام العواصف وصروف الدهر .

وفي هذا المجال وجب ان نبارك العمل الكبير - والصامت - الذي شرع فيه منذ انعقاد الندوة الاولى لوزراء التربية لبلدان المغرب العربي الكبير بتونس فيفرى 1967 ، والهادف الى ضبط رصيد لغوى أساسى وظيفى في مستوى المرحلة الاولى من التعليم الابتدائي  .

فقد قام عدد من خيرة أهل الاختصاص فى اللسانيات عندنا بتسجيل كلام تلامذة رياض الأطفال والسنتين الأوليين فى التعليم الابتدائى وضبط الألفاظ    المقولة المشتركة بين المغرب والجزائر وتونس ، فى قائمتين ، ألفبائية وتواترية ، فكان عددها 6777 . ولم يكتفوا بذلك بل هم الى جانب الألفاظ الفصيحة فصحوا الألفاظ الدارجة وعربوا الكلمات الدخيلة ووضعوا للمفاهيم الحضارية الجديدة وللمعانى العصرية الحديثة ألفاظا عربية مشتقة او ألفاظا جديدة مع مراعاة قياس العربية وآجتناب الالتباس بحيث يكون لكل دال مدلول واحد ، ومراعاة عدم تنافر مخارج الحروف وحذف الكلمات الهجينة المدلول فى أحد الأقطار الثلاثة ، ومسايرة اللغة البسيطة التى يتكلمها الأطفال من دون تقعر ولا تحذلق ولا تزمت مع احترام روح اللغة العربية المتطورة وقواعد الصرف والنحو .

واذا عرفنا مدى تأثير اللغة فى الأذهان والعقليات أدركنا أهمية هذا العمل الذي نرجو أن يتواصل ويشمل كافة سنوات التعليمين الابتدائى والثانوى ، وان يستغل فى أسرع الأوقات فتصدر التعليمات ليكون التأليف المدرسى بالاعتماد على هذا الرصيد الضخم - الأول من نوعه فى كافة البلاد العربية -

والذى لا يسد فراغات المقول والمكتوب فحسب ، بل هو يسمو عن الاقليمية اللغوية ويمحو الفوارق المصطنعة ويتسامى عن اللهجات التى طالما عمل الاستعمار على تشجيعها وتركيزها بفضل برامجه التربوية عندما كان ماسكا بزمام الامور في هذه الربوع ، او بآنتحار نفر من تلامذته النجباء - اليوم - الطرائق العلمية ولغة البحث للتمويه على البسطاء بأنهم إنما يرومون خدمة العلم والمعرفة بتفرغهم الى مثل هذه الدراسات . . . الموضوعية .!

ثم إن هذا العمل الكبير - اذا ما تواصل - من شأنه أن يقرب بين المقول والمكتوب ويقضى على هذا الانشطار اللغوى ويدعم المجهود المشكور الذى تزال الاذاعة والتلفزة والصحافة تبذله فى هذا الصدد ، كما يقضى على نوع من الازدواجية اللغوية ورثناه عن الاستعمار مما جعل عددا كبيرا منا - كافة أقطار المغرب الكبير - لا يتكلمون لغة عربية سليمة ولا لغة فرنسية مستقيمة وإنما يستعملون لغة مخلوطة ممسوخة فرنسية عربية .

إن هذا العمل اللغوى التربوى الأساسي لا يخدم اللغة العربية فحسب ولا يركز الاستقلال الثقافى فقط بل هو - على طول المدى ورغم صروف السياسة وملابساتها - صرح من الصروح الثابتة التى ستقام عليها - ان شاء الله وشاء أبناء هذا الشمال الافريقي البررة - الوحدة الصماء لشعوب المغرب العربى الكبير .

اشترك في نشرتنا البريدية